فهرس الكتاب

الصفحة 5769 من 27364

« إمبراطورية النفاق »

من مهد لها الطريق ؟!

الشيخ الدكتور / عبد العزيز مصطفى كامل

دكتوراه في الشريعة جامعة الأزهر

عضو هيئة تحرير مجلة البيان ـ المنتدى الإسلامي

أعده للنشر في الفوائد / محمد جلال القصاص

المحرر:

في هذه الرسالة يتتبع الشيخ الدكتور / عبد العزيز كامل ـ حفظه الله ـ نشأت القومية ( العلمانية ) في البلاد الإسلامية وكيف أنها بدأت يهودية ثم حمل رايتها النصارى .. دعوة وتنظيرا ... ثم انضم إليهم ما أسماهم بالمنافقين ـ وصدق ـ ممن ينتسبون إلى الإسلام .

ويعرض الدكتور عبد العزيز مواقف علماء الأمة من نازلة إحلال العلمانية اللادينية محل الخلافة الإسلامية مناديا بقراءة جديدة للتاريخ الإسلامي المعاصر تبرز دور المنافقين في تغريب الدين .

يقول حفظه الله:

عندما يتناول المهتمون بالشأن الإسلامي الكلام عن حدث إسقاط الخلافة الإسلامية في تركيا ، ويتناوبون تقليب جوانب تلك النازلة الكبرى التي لا تزال الأمة تعيش آثارها منذ ثمانين عاماً ، فلا ينبغي أن يفهم ذلك على أنه إشادة مطلقة ، أو تزكية عامة لمسلك العثمانيين في إدارة شؤون عموم المسلمين ، فلا شك أن تلك الإدارة اعتراها الكثير من المآخذ المنهجية والسلوكية ، وبخاصة في المرحلة الأخيرة من عمر تلك الخلافة الممتدة عبر خمسة قرون ، ولكن تلك المآخذ لا ينبغي أيضاً أن تأخذنا بعيداً إلى حد التهوين من شأن ما أصاب الأمة بعد حل رابطتها العالمية وكتلتها الإسلامية الدولية ممثلة في تلك الخلافة .

لقد كانت نكبة الأمة بسقوط السلطة في أيدي العلمانيين المنافقين اللادينيين بعدها في أكثر بقاع العالم الإسلامي ؛ أشد ضرراً وأنكى أثراً من سقوط الخلافة العثمانية نفسها ، حيث جسَّد أولئك المنافقون العلمانيون بعد سيطرتهم المبدأ الفاسد الكاسد بفصل الدين عن الدولة ، وأصَّلوا فرقان الشيطان بين السلطان والقرآن ، ذلك الفرقان الذي أخبر عنه صلى الله عليه وسلم في قوله: « ألا إن السلطان والقرآن سيفترقان ، فلا تفارقوا الكتاب » (1) .

وكان هذا « الفصل » بين الدين والدولة ، أو بين الشرع والحُكم ، تضييعاً للشرع وإضعافاً للحُكم ، بل كان إضعاف الحكم بالإسلام مقدمة لإضاعة الدين والدنيا معاً ، في تتابع مستمر قابل لأن يطال كل أسس الدين وثوابت الشريعة ، كما أخبر الصادق المصدوق في قول صلى الله عليه وسلم: « لتُنقضَنَّ عُرى الإسلام عُروة عُروة ؛ فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها ؛ فأولهن نقضاً الحُكم ، وآخرهن الصلاة » (2) .

وقد صدَّقت حقائق التاريخ المعاصر هذه النبوءة المعجزة لرسول ا صلى الله عليه وسلم ؛ فما أن يُنقَض الحكم بالإسلام في أرض ، إلا ويتسلط عليها شياطين الإنس ، فيقوضون بنيانها وينقضون عُراها بدءًا بمنصة القضاء الشرعي ، وانتهاء بإقامة الصلاة التي جعل الرسو صلى الله عليه وسلم إقامة الولاة لها في الناس فيصلاً بين شرعية ولايتهم أو عدم شرعيتها ؛ وذلك عندما سأله بعض الصحابة عن حكم أئمة الجور قائلين: « أفلا ننابذهم بالسيف ؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة » (3) .

الأمر إذن ، ليس ولاية عبد الحميد أو وحيد أو عبد المجيد من خلفاء آل عثمان ، وإنما هو في تعبيد طريق التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ، وفي إقامة سلطان الشريعة التي لا تصلح ولا تقبل خلافة الإنسان في الأرض إلا بها: ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ) ( ص: 26 ) .

ولا يصلح تحاكم الناس في الدماء والأموال والأعراض والسياسات والعبادات والمعاملات إلا لها .

( وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) ( المائدة: 49 ) .

(1) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (1/264) ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (5/228 ، 238) .

(2) أخرجه أحمد في مسنده ، (5/251) ، و ابن حبان في صحيحه حديث (257) ، و الحاكم في المستدرك (4/92) ، وصححه الألباني ، انظر: صحيح الجامع الصغير (2/905) ، حديث (5075) .

(3) أخرجه مسلم في صحيحه ، حديث (3447) ، (3448) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت