فهرس الكتاب

الصفحة 15073 من 27364

مصطلح التنوير:مفاهيمه واتجاهاته في العالم الإسلامي الحديث

"نظرة تقويمية"

محاضرة أعدها وقدّمها

الدكتور عبد اللطيف الشيخ توفيق الشيرازي الصباغ

أستاذ الملل والنحل والمذاهب المعاصرة بقسم الدراسات الإسلامية

بكلية الآداب بجامعة الملك عبد العزيز بجدة

جدة في يوم الأربعاء 7 محرّم الحرام 1426هـ

16 شباط (فبراير) 2005

مصطلح التنوير: مفاهيمه واتجاهاته في العالم الإسلامي الحديث

الحمدلله رب العالمين، (الحمدلله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) ، الحمدلله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) ، والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة الذي أنزل الله إليه كتاباً ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وعلى آله الطيبن الطاهرين وأصحابه الغرّ الميامين أعلام التنوير الحقيقي في هذه الأمة وفي الإنسانية جمعاء، وبعد:

فإنّ مصطلح التنوير أو الاستنارة هو من الألفاظ والشعارات والمصطلحات الوافدة التي انتشرت في العالمين العربي والإسلامي في العصر الحديث، وهي جملة من المصطلحات المجملة المشكِلة الملتبسة التي ظاهرها ومبناها الخير والعلم والمعرفة، ولكنها تحمل في طياتها كثيراً من المفاهيم والأفكار المقبولة أو المرذولة والصحيحة أو الفاسدة؛ ولذلك اقتضت ضرورة البحث العلمي الموضوعي التوضيح والبيان والشرح والتفصيل حتى يزول اللبس وتتضح معالم الصورة وتنزاح الشبهة، فيحيا من حيّ عن بينة ويهلِك من هلك عن بيّنة، (وكذلك نفصّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) الأنعام /55

مفهوم التنوير عند الغربيين:

وبداية نقول إن هذا المصطلح (التنوير أوالاستنارة) ، بالمعنى الفكري والفلسفي الشائع، هو ترجمة للمصطلح الغربي الذي يذكر عادة تحت عنوان: حركة الأنوار أو فلسفة الأنوار أو عصر الأنوار أو فكر الأنوار:

بالفرنسية"philosophie des lumie r es"، وبالإنكليزية"Enlightenment"، وبالألمانية"Aufkla r ung"وقد ترجمت إلى العربية بحركة التنوير أو حركة الاستنارة.

وحتى نفهم هذا المصطلح بالعربية يستحسن أن نتعرف على مفهومه وأبعاده في اللغات الأوروبية وفي تطور الفكر الغربي عموماً، والواقع أن حركة التنوير تشير إلى تلك الحركة الفلسفية التي بدأت في أوروبا في القرن الثامن عشر الميلادي، وجاءت بعد المذهب الإنساني وحركة النهضة الأوروبية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وقد تميزت هذه الحركة بفكرة التقدم وعدم الثقة بالتقاليد، وبالتفاؤل والإيمان بالعقل، وبالدعوة إلى التفكير الذاتي المستقل، والحكم على أساس التجربة الشخصية (المعجم الفلسفي الصادر عن مجمع اللغة العربية بمصر) ويقابلها نزعة التعمية، وهي نزعة تتعارض مع نشر المعارف والأخذ بالمبادئ العقلية، وهو مصطلح قدحي ذمّي يعني النزعة الظلامية في مقابل التنوير أو حركة الأنوار (المعجم الفلسفي الصادر عن مجمع اللغة العربية بمصر) .

وسنعرض فيما يلي شرحاً مكثفاً ومركزاً لفلسفة الأنوار في أوروبا نقتبسه من مرجع مهم من مراجع الفلسفة الغربية الحديثة، وهو معجم الفلسفات الكبرى Dictionnai r e Des G r andes Philosophies الذي أعد تحت إشراف الأستاذ (لوسيان جيرفانيون Lucien Je r phagnon) ,1973 , Toulouse P r IVAT. فقد جاء في هذا المعجم حول هذا المصطلح مايلي:

يشير هذا المصطلح إلى المذهب العقلاني في القرن الثامن عشر، والذي مهدت له بشكل واسع أعمال الفلاسفة السابقين من أمثال: سبينوزا، وريتشارد سيمون، وفونتنل، وبيير بايل وقبل كل ذلك نيوتن ولوك.

وليس من الممكن أن نحلل في صفحات قليلة، وبشكل متتابع،مذاهب الممثلين الرئيسيين لفلسفة الأنوار، أو أولئك الذين يمكن أن نلحقهم، رغم تنوعهم، بهذا التيار: في إنجلترا مثلاً: جون تولاند (1670- 1722) ، دافيد هيوم (1711-1776) ، وفي ألمانيا: كريستيان وولف (1679- 1754) ، ليسينغ (1729- 1781) ، وفي فرنسا: مونتسكيو (1689- 1755) ، فولتير (1694- 1778) ، ديدرو (1713- 1784) ، دولامتري (1709- 1751) ، دولباخ (1723- 1789) ، وبصورة أقل يقيناً روسو والمركيز دوساد، هؤلاء هم الذين كانوا متأثرين بشكل واسع بهذه الفلسفة"فلسفة الأنوار"مع أنهم خالفوها في بعض النقاط الجوهرية.

ونريد هنا بالأحرى أن نحلل المقتضيات الأساسية لمفهوم فلسفة الأنوار:

إن فلسفة الأنوار هي فلسفة عقلانية متفائلة تريد الظهور علناً، وتريد إنارة كل العقول وتخليصها من النزعة الظلامية. وفي إطار هذا المقصد، مقصد التعميم الواسع ونشر الأنوار بشكل عام وفي جميع الأوساط، كتبت الموسوعة تحت إشراف"ديدرو"، تلك الموسوعة التي تشكل معجماً عاماً للعلوم والفنون والتقنيات (وقد صدرت بين عامي 1715 و 1772) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت