سارة الراجحي 6/9/1427
يتهيّب الكثيرون من"التجديد"، ويجعلون منه مصطلحاً مرادفاً للتغريب أحياناً، و حينما ينادي بعض المصلحين المخلصين بضرورة التجديد في الفقه الإسلامي مثلاً أو في الخطاب الدعوي، أو في قضايا المرأة .. نجد أن هناك من يعترض، ويقابل ذلك بالتشكيك؛ ظاناً أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان .. عبر نزعة استصحابية تشكل عقدة الحفاظ على العادة والمألوف وبناء حاجز أمام كل جديد، حتى وإن كان هو الأصيل الذي ينبغي الاتكاء عليه!
و إذا كان التجديد هو إعادة الشيء الذي بلي وقدم وتشوهت سماته الأصلية إلى حالته الأولى .. فهذا يعني أنه يرادف الأصالة لا أن يعارضها؛ لأن الأصالة تعني تأكيد الهوية و العودة إلى الأصول والثوابت والمرتكزات التي تنبثق منها الأمور، وهذا يفسر لنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد دينها"رواه أبو داود .. أي أن هذا المجدد لا يبتكر ديناً أو يبدله، إنما يحيي ويصلح أمور المسلمين وعلاقتهم بدينهم، مقوّماً ما انحرف، ومظهراً ما اندرس.. بالإضافة إلى أن عملية التجديد مستمرة، وليست متوقفة عند أشخاص معينين نظن أن الزمان لن يجود بمثلهم.. كما أنه يتضمن الدعوة إلى التجديد عبر اجتهاد المسلمين؛ لأن السماء لا تمطر مجددين..!
لذلك نحن بحاجة إلى التمييز وعدم الخلط بين التجديد الذي يُعدّ جزءاً حيوياً من ديننا، و بين التجديد بمفهومه الغربي الذي يغلب عليه مجاوزته للماضي وانسلاخه منه، والذي ينظر بمنظور الفلسفة"البراغماتية"التي ترفض القيم المطلقة وثباتها، وتتخذ الواقع ونجاح التطبيق مقياساً للحق وصدق الفكرة.. فالتجديد الذي نحن بصدده يعود للأصول ولا يهدرها، ولا يعتمد الواقع مقياساً للحق والصواب، بل يتحرى فيه الوسائل التي ينزل عليها القيم ليرتقي ويرتبط بها.. أي أنه يقرر القيم والمبادئ الثابتة، ويربط بينها وبين واقع العصر عبر منهجية مقاصدية في فهم النصوص، كما كان في عصر الرسول والصحابة، وكما فعل أئمة المجتهدين.. فكل مشروع نريده أن ينهض ويتحضر لا بد أن يتوغل في الأصالة بنفس درجة توغله في الحداثة.. وإلاّ كان مجرد قديم مقلد، أو غريب مستجلب.
و تجدر الإشارة إلى أن الدين به الثابت والمتغير، فلابد من التفرقة بين القطعيات والظنيات، والأصول والفروع، والأهداف والوسائل.. لأن القطعيات والأصول والأهداف ثابتة، لا مجال للتجديد فيها، أما الظنيات والفروع والوسائل فهذه تحظى بمساحة كبيرة من المرونة و قابلية الاجتهاد البشري، وهذا الذي أكسب ديننا صلاحيته لكل زمان ومكان، فالنصوص متناهية، والأحداث والوقائع والقضايا غير متناهية، لا سيما في عصرنا.. فلا بد من الاجتهاد والتجديد الذي يستدعي الأحكام والحلول الشرعية المناسبة لخضم أحداث عصرنا..
إن محاكاة الماضي المطلقة وتقديس التراث بكل أشكاله وإشكالياته يكون حجر عثرة أمام مهمة الاجتهاد، ويشكل برزخاً بين التجديد والأصالة الحقيقية، يفصل روابط الامتداد والتفاعل والحيوية، و يوثق روابط الجمود والإمعية والغياب عن مستجدات الحياة.. ولا يعني هذا إهمال التراث بالكلية وطرحه جانباً - لا يُقصد به القرآن والسنة فهما فوق التراث - بل يعني فهم هذا التراث وإعمال النص والعقل فيه لا مجرد حمله وحفظه والتسليم به، حتى لا يقع الانفصال والجمود وتعطيل البحث والتمحيص.. بل يقع الإحياء والانتفاع والاستئناس به .. فهو إحدى لبنات التجديد ..
و يجدر التنويه هنا إلى ضرورة التفرقة بين كلام الله - عز وجل - ورسوله صلى الله عليه وسلم و بين كلام بقية البشر؛ لأن البعض يجعل اجتهادات بعض العلماء السابقين كالوحي المنزل من السماء أو كالمسّلمات، فيتوّهم بعضهم الآخر أن تجاوزها هو تجاوز للدين نفسه.. فتقع العداوات والخصومات فيها.. وصارت كالعملاق الذي تتضاءل أمامه أي اجتهادات جديدة، يرمي بعضهم أصحابها بما لا يليق بهم، موهمين الآخرين بأن ثمة معركة بينهم وبين الدين أو الأئمة الأعلام .. بينما اجتهادات الأئمة الأعلام هي في حقيقتها استنباطات تحتمل الصواب والخطأ، و ليست حكم الله، بل الأقرب إليه ظناً، لهم أجران إن أصابوا، وأجر إن أخطؤوا، كما هو الحال تماماً مع الجُدد، وكما أكدّ على ذلك الأئمة أنفسهم حيث ذموا التقليد وندّدوا بمن يدع النظر .. فقد كان الإمام أحمد مثلاً يوصي أصحابه:"لا تقلّدوني ولا مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذوا من حيث أخذوا".