لفضيلة الشيخ د. عوض بن محمد القرني
( 3 / 8 / 1422هـ )
في غمرة الأحداث الجارية اضطربت كثير من العقول وتاهت كثير من البصائر واختلط في كثير من المفاهيم الحق بالباطل واستغفل الناس إلى درجة كأن وسائل الإعلام لم تتخاطب مع أناس ذوي عقول ومدارك ، ونال من الإسلام وأصوله كل من هب ودب ، وأصبح الكثير من العرب والمسلمين أمام أنفسهم قبل غيرهم محل التهمة والشبهة .
وكل هذا ما كان ليحدث مهما كان ضخامة الأحداث وأعاصير الفتن لولا أن الكليات العاصمة والأصول المنقذة في ديننا وعقيدتنا غابت عن حياة وفكر الكثير منا عند تحليل الأحداث والتعامل مع النوازل .
ثم أمر آخر يعجب الإنسان كيف غاب عن عقول الكثيرين من أهل الفكر والعلم ورجال الإعلام وهو المناقشة العقلية والمنطقية لكثير مما يجري من أحداث .
وثالثة الأثافي هو التقصير المريع في الدفاع عن هذا البلد الذي أصبح مستهدفاً في نظامه ودينه وشريعته واقتصاده وشعبه بصور شتى مما يفرض على كل غيور صادق أن يسهم في رد هذه الهجمة الظالمة بالحقائق المستندة إلى الحق .
ولكل هذا وحتى لا تضيع الحقائق في غبار وظلمات الأباطيل وتهريج الأعداء وتخرصات المرجفين الضعفاء كان هذا الإسهام من خلال المحاور الآتية:
(:: ) أصول حذار من نسيانها:
إن الإسلام دين ودنيا باعتباره وحياً من الله سبحانه وتعالى أثمر الاهتداء به في الممارسة الإنسانية حضارة تاريخاً وتجربة حية للعديد من الأمم والشعوب استقر لديه العديد من الأصول الكلية الجامعة في العلاقة بين المسلمين وغيرهم المستنبطة من وحي الله والتي رسختها أثبتتها التجارب الحية عبر أكثر من ألف وأربعمائة سنة ولا ينبغي لنا أن نتنصل من ديننا ومبادئنا وقيمنا لتهديد من الآخر أو لشدة من البلاء والفتن ومن هذه الأصول:
1 ـ إن التدافع بين الحق والباطل من سنن الحياة اللازمة لها التي فطرها الله عليها لا لأن المسلمين عشاق حرب ودماء ودمار بل لأن الآخرين لا يرضون ولا يسلمون بوجود للمسلمين يعبر عن ذاته ويحتكم إلى قناعاته في الالتزام بدين وشريعته ومن هنا فإن عداوة الكفار للمؤمنين حقيقة لا تحتمل التساؤل إلا حينما حين يكون كتاب الله لدينا محل شك والعياذ بالله قال تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثير .. } (( الحج40 ) )وقال تعالى: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } (( البقرة120 ) )وقال تعالى: { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا .. } (( البقرة217 ) ). والواقع التاريخي يؤكد ويشهد لهذا الخبر الإلهي الحق من فجر الإسلام إلى اليوم ومروراً بالحروب الصليبية والإبادة التي تعرض لها المسلمون في الأندلس وانتهاء بالغزو الاستعماري الحديث وما تلاه وما يتلوه من أنهار الدماء وجبال الجماجم والأشلاء وآلاف حالات الاغتصاب في البوسنة وكوسوفا والشيشان وفلسطين وكشمير والفلبين وبورما وغيرها وحتى في بعض الجزر الإندونيسية ولئن كانت دواعي وأعراف الدبلوماسية والسياسية تلطف عبارات الشكوى والألم فإن ذاكرة الشعوب المسلمة لازالت تتذكر كلّ ذلك ولا يعني إيمان المسلم بهذا التدافع بين الحق والباطل والعداوة بين المسلمين والكفار أن نتعامل معهم أو أن نظلمهم أو ننكر حقوقهم التي جعلها الله لهم لأن الوحي الذي اخبر أن من لوازم الحياة عداوتهم لنا جعل من الأحكام التي نتعامل بها مع غيرنا ما ينظم العلاقة بين المسلم وغير المسلم والالتزام بها ديناً لا خيار لنا في العمل به أو تركه ما دمن مسلمين .
لكن المشكلة في التاريخ كله تأتى من الطرف الآخر من نقض للعهود وانتهاك للأعراض وإبادة للشعوب وإكراه على ترك الدين واعتناق غيره وتدمير للمساجد وإن أردت أن ترى الفرق بين الإسلام والغرب شاخصاً أمام ناظريك فقارن حال البلاد الإسلامية التي مازال النصارى فيها منذ ألف وأربعمائة سنة لم تهدم لهم كنيسة ولم ينلهم مكروه مع الأندلس وغيرها من البلاد التي سيطر عليها النصارى وهل بقي فيها للإسلام ذكرى حتى بداية هذا القرن وقارن ما فعله الصليبيون بالمسلمين عندما دخلوا القدس مع ما فعله صلاح الدين بالنصارى عندما استعاد الأرض المقدسة وخذ أفعال النصارى في البوسنة وفي الشيشان في هذه السنين دليلاً آخر على صحة ما نقول .
وليس هذا النهج الغربي مع المسلمين فقط ، بل مع جميع الشعوب الأخرى ؛ فقد استأصل الغربيون الهنود الحمر من الأمريكتين وقضوا على تراث وحضارة الأستراليين والنيوزلنديين بالحديد والنار واستعبدوا الشعوب الأفريقية وغيرها ولم يتغير الوضع نسبياً إلا في العصر الحديث بعد أن فقدت الكنيسة سلطانها على الغربيين وأصبح نهجهم الحياتي في الجملة ليبرالياً ديقراطياً علمانياً .