فهرس الكتاب
أ. د. عماد الدين خليل 10/7/1426
للوهلة الأولى، ومن خلال الألغاز والمعمّيات التي تعتمدها الفلسفات الغربية الوضعية (1) ، وتحيط نفسها بها .. من خلال حملات الإكبار والتقدير التي انصبت على شخصيات الفلاسفة من كل مكان .. من خلال مركب نقصنا الحضاري الذي خيل إلينا كما لو كان الفيلسوف الغربي إنساناً غير عادي، إنساناً ذا قامة مرتفعة وفكر خلاّق يجتاز المغاليق، ورؤية للكون والحياة لا تقبل خطأ على الإطلاق ..
للوهلة الأولى تتبدى الفلسفات الغربية للمرء بحجم أكبر بكثير من حجمها الحقيقي وبريق يكاد يسلب العين القدرة على الإبصار.
وكلنا نذكر ما كان يفعله مدرسونا في الإعداديات، وهم يحكون لنا عن هذا الفيلسوف الغربي أو ذاك من خلال مادة (التاريخ الأوروبي) .. بوجل وانكماش .. بتقدير مبالغ فيه يصل حد التضاؤل والصغار، ونذكر كذلك طبقة من الأساتذة الجامعيين أعمق ثقافة من المدرسين وأكثر تخصصاً، كانت هي الأخرى تحدثنا عن الفلسفة الغربية، كما لو كانت حقاً مطلقاً لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه ..
ولا زلت أذكر مدرس التاريخ في الإعدادية، وهو يخطو بحذر وتريّث خلال شرحه لفقرات في الكتاب خُصصت للفيلسوف الإلماني (هيغل) ولفلسفته المثالية، وكنا نحن نقول في أنفسنا: إذا كان مدرس المادة غير قدير على اقتحام بحر (هيغل) العميق فأنى لنا أن نجتازه بعقلياتنا الساذجة وثقافتنا المتواضعة؟
ولا زلت أذكر كذلك أستاذ الفلسفة في كلية التربية، وهو يحدثنا عن الفلسفة المثالية لهيغل، كيف أنه أراد أن يعطينا جانباً من فلسفته كما لو كانت مسلمات مطلقة، ولكنها مسلمات غامضة، معمّاة، ما كانت تزيد الرجل وفلسفته في نفوسنا إلا إجلالاً وإكباراً!!
وما كان الأمر بهذا الذي تصورناه أو صُوّر لنا، وما هكذا يجب أن يكون .. فإن المثقف المسلم على وجه التحديد- ناهيك عن المتخصصين منهم- يتحتم أن يمتلك ابتداء .. نعم (ابتداء) .. ما يمكن تسميته بالنظرة الفوقيّة المستقلة الواثقة التي ينظر بها، ويقيس ويزن كل ما يقوله العقل البشري شرقياً كان أم غربياً، ولا يسلّم بسهولة حتى لو طرحه أعظم الفلاسفة والمفكرين .. كما أنه يتحتم ألاّ يشعر إزاءه بأي قدر من النقص أو الإعجاب المفرط الذي قد يجنح به بعيداً عن الموقف العلمي الذي يتطلبه منه هذا الدين.
إن المسلم ينظر بنور الله، ويعاين الأشياء بتعاليم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ويزن بموازين الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكيف تسوّغ له نفسه أن ينزل عن موقعه العالي هذا، عن استشرافه من الآفاق المفتوحة، إلى الحفر الضيقة والمسالك المتداخلة والشعاب المسدودة لفكر هذا الرجل أو ذاك مما قد يتضمن الكثير من الخطأ والانحراف والفساد؟
وثمة بداهة قد نغفل عنها لوضوحها في كثير من الأحيان، وهي أن الفلسفة الوضعية لو كانت حقاً مطلقاً كما صُوّر لنا وخُيل إلينا، لما نقض بعضها بعضاً، وهاجم بعضها بعضاً، ونفى بعضها بعضاً .. ولما شهدت ساحات الفكر والثقافة عشرات، بل مئات وألوف، من الفلاسفة كان يحلو لكل واحد منهم أن يطرح ادّعاء تقليدياَ أصبح بمثابة القاعدة التي يحذو حذوها الجميع: إن ما تقوله فلسفته هو الحق المطلق، وإن ما وراءها من فلسفات لا يعدو أن يكون خدعة وضلالاً، أو هو - على أحسن الأحوال - محاولات تتضمن الكثير من الشروخ والأخطاء ..
في كتاب الأديب الفرنسي (اندريه موروا) عن حياة الروائي الروسي الشهير
(ايفان تورجنيف) نقرأ هذا المقطع:"في غضون السنوات التي أمضاها تورجنيف في ألمانيا كان هيغل الفيلسوف الذي يلتف حوله المثقفون الروس؛ لأنه كان يقول بأن كل ما هو حقيقي نابع من العقل في الوقت الذي كان فيه هؤلاء يقبلون المجتمع كما وضعه التاريخ. ذلك أن الناس يطلبون دائماً من كل مذهب أن يكون دليلاً عقلياً على مشاعرهم وأعمالهم!!"
فالشباب الروسي الذي كان يخضع في سنة 1840م للقيصر كان يعرف أنه مستبد، ولكنه كان يعبده على الرغم منه، وهذا الشباب كان يتوهم بأنه واجد في (فلسفة الحق) لهيغل حججاً وأسانيد لتعليل خضوعه.. كانوا يقولون له: إن الدولة كيان حي، وهي هي كما أوجدها التاريخ، ولا يستطيع فرد أو مجموعة لن يغيرها تبعاً لأهوائه. وهكذا لا يوجد مجال للمناقشة في ضرورة الطاعة المطلقة للقيصر فذلك أمر واضح جليّ في حد ذاته"."
ويمضي موروا إلى القول بأن"تلك كانت نظرية هيغل كما رأتها جماعة اليمين على أن هرزن - الذي يمثل جماعة اليسار- كان يتبين أنه يمكن أن يستمد من هيغل بالذات الدليل على شرعية كل مقاومة للأوتوقراطية؛ إذ لو صح أن كل ما هو حقيقي نابع من العقل، فالثوري - إذ يوجد - يعدّ جزءاً من التاريخ (إذا كان العقل يعزز النظام الاجتماعي القائم، فإن كل مقاومة له ما دامت موجودة تعدّ معززة كذلك) . وهكذا تشكلت من فلسفة هيغل صورة أخرى أخذت بها جماعة اليسار) (2) ."
وهكذا استعملت فلسفة هيغل لتبرير موقف اليمين الخاضع للقيصر، ولتبرير موقف اليسار الثائر على القيصر ..