فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 27364

تفزع أوروبا من الدين كما يفزع الملدوغ من الحبل ..ولو كان بالنسبة إليه حبل النجاة !

وأوروبا تسيطر اليوم بقوتها السياسية والعسكرية والعلمية والاقتصادية والتكنولوجية على العالم كله . وتجر البشرية معها إلى الهاوية بسبب ذلك الموقف الأحمق لمفزع من الدين !

ولقد زعمت الجاهلية المعاصرة في أول أمرها في عصر النهضة أنها تستطيع أن تدير ظهرها للدين ثم تظل تمارس الحياة بصورة طبيعية لا يعتورها نقص ولا اختلال . بل زعمت أنها حين تتخلص من الدين فستعالج ما كان في حياتها من نقص واختلال ! ولقد كانت ظروفها كما بينا من قبل تؤدى بها إلى الانسلاخ من ذلك الدين الذى يعكر صفو الحية ، ويعطل دفعتها ، وينشر الجهالة ،ويحجز على الفكر ، ويحجب عن البشرية النور .

وحين بدأت أوروبا تنسلخ من دينها لم يكن في مقدورها أن تنسلخ دفعة واحدة من"القيم"التى كانت تصاحب ذلك الدين ، وربما لم يكن ذلك في نيتها في مبدأ الأمر ,.

فراح القوم - مخلصين فيما نحسب - يبحثون عن مصدر آخر للقيم التى لا يمكن أن تعيش بدونها البشرية .

ولكن التجربة العلمية أثبتت أنه لا يوجد مصدر حقيقى للقيم غير الدين !

قالوا العقل .. وقالوا الطبيعة .. وقالوا النفس البشرية .. وقالوا العلم .. وقالوا الفلسفة .. وقالوا كل ما يخطر في بالهم . ثم خرجوا من ذلك كله بما وصلوا إليه آخر الأمر: القلق والجنون والضياع والحيرة والأمراض النفسية والعصبية والانتحار والخمر والمخدرات والجريمة والانحلال والمسخ الذى يشوه الفطرة .. والهبوط الخلقى والفكرى والروحى في كل ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. على مستوى الأفراد والجماعات والشعوب والدول كلها على السواء ! وتحول الإنسان إلى آلة للإنتاج المادى في صباحه ، وحيوان هائج في الليل يبحث عن المتاع الحسى الغليظ ، ويبحث عنه أحيانا في تبذل يتعفف عنه بعض أنواع الحيوان !

وتلك نهاية طبيعية لبعد الناس عن الدين ، وهى تجربة مكرورة في تاريخ البشرية وإن ظنت الجاهلية المعاصرة أنها تجربة"رائدة"تخوضها البشرية لأول مرة ، لأنهم - في جهالتهم"العلمية"- لا يقرأون التاريخ ، أو لا يحبون أن يأخذوا العبرة من التاريخ !

{قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (101) } [سورة يونس 10/101]

ثم إن الإنسان عابد بطبعه كما بينا في الفصول السابقة من الكتاب ، فلا تستطيع أن تحول الإنسان من العبادة إلى"اللاعبادة". إنما تستطيع أن تحوله من نوع من العبادة إلى نوع آخر . وليس الخيار - كما خيل للجاهلية المعاصرة - بين العبادة وعدم العبادة ، إنما الخيار فقط في المعبود .. هل يكون هو الله جل جلاله أم يكون شيئا آخر غير الله .

الخيار - بالتعير القرآنى الحاسم - هو بين عبادة الله وعبادة الشيطان .

{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) } [سورة يس 36/60-61]

وصراط الله المستقيم واحد ،ولكن سبل الشيطان كثيرة متعددة:

{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [سورة الأنعام 6/153]

والمعبودات فىالجاهلية المعاصرة شتى ،والسبل إليها متعددة ، من عبادة"الدولار"إلى عبادة الهوى والشهوات ، مرورا"بالإنتاج"و"المصالح القومية"و"العلم"و"العقل"و"التقدم"و"التطور"و"الحرية الشخصية"و"الطبيعة"و"الإنسانية".. ولكل معبود من هذه المعبودات تكاليفه والتزاماته التى ينبغى أن تطاع ..

فأين يذهب الإنسان حين يخرج من الدين ، أى من عبادة الله ؟

تقول الجاهلية المعاصرة إنه"يتحر"من"القيد".

نعم ! يتحرر من"القيد الإنسانى"ليقع في قيود الحيوان !

فالقضية كما قلت مرة في كتاب"فى النفس والمجتمع"ليست خيارا بين القيد والحرية كما يتوهم الناس لأول وهلة حين ينفلتون من الدين والقيم المصاحبة له . إنما الخيار هو بين قيد من نوع معين يصاحبه نوع معين من الحرية ، وبين حرية من نوع آخر يصاحبها نوع آخر من القيود . قيد الإنسان ومعه حرية الإنسان ، أو حرية الحيوان ومعها قيد الحيوان" (1) ".

الدين قيد لا شك فيه ، لأنه التزام بما أنزل الله .. قيد على شهوات النفس ، وقيد على أهواء الإنسان .. ولكنه في الوقت ذاته يحرر الإنسان من ضغط الشهوات وثقلة الأرض والخضوع المذل للقوى التى تقهر الإنسان في الأرض ممثلة في بشر يستبدون بالبشر ، أو ضغوط مادية واقتصادية تسحق كرامة الإنسان .

(1) ""انظر - ان شئت - فصل"القيد والحرية"من كتاب في النفس والمجتمع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت