والانفلات من الدين والقيم المصاحبة له هو"تحرر"دون شك . تحرر من القيود التى فرضها الله على الإنسان في تصرفاته ، والحدود التى رسمها للناس وقال لهم: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} [سورة البقرة 2/229] {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} [سورة البقرة 2/187] . ولكنه في الوقت نفسه يمسك الإنسان من خطامه ، ويجره من حبل الشهوات أو من حبل الضغوط القاهرة فلا يملك ألا يستجيب !
وحين انفلت الناس في الجاهلية المعاصرة من قيد"الدين"فقد وقعوا في عبوديات لا حدود لها ، سواء للحاكمين عليهم ، الذين لا يحكمون بما أنزل الله ، فيتخذون من أنفسهم أربابا يشرعون للناس ، ويخضعونهم لهم بالسطان القاهر ، أو لشهواتهم التى لا يملكون الفكاك منها ، أو لأعراف وقيم وموازين ما أنزل الله بها من سلطان ، كلها تهبط بالإنسان من مكانه الكريم الذى كرمه الله به يوم خلقه ، وتمرغه في الأوحال .
فهل هذه هى"الكرامة"التى يحققها الإنسان لنفسه حين يتمرد على الدين ويخرج من عبادة الله ؟
كلا ! وما تستطيع البشرية أن تستمر في الحياة على هذه الصورة .
فمن ناحية تظل أمراضها الرئيسية تتضاعف لأنها تعرض عن تناول الدواء .
ومن ناحية أخرى تصيبها السنة الحتمية التى لا تتبدل ولا تتخلف ولا يتغير مجراها على مر الدهور:
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) } [سورة الأنعام 6/44-45]
ولقد مضت السنة الربانية مع أوروبا في جاهليتها المعاصرة خطوة خطوة: نسوا ما ذكروا به ففتح عليهم أبواب كل شئ ، من قوة اقتصادية وعلمية وتكنولوجية وعسكرية وسياسية .. الخ ففرحوا بما أوتوا ن أى طغوا الأرض بغير الحق ، ولم تبق إلا الخطوة الأخيرة حتى تتم السنة بتمامها ، وهى أخذهم بغتة إذا أصروا على ما هم فيه . والبغتة هى دائما بغتة وإن رأى بعض الناس بوادرها وتوقعوا حدوثها .
{أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47) } [سورة النحل 16/45-47]
"والعقلاء"فى الجاهلية المعاصرة بدأوا يتخوفون على أقوامهم من الدمار المؤكد إن لم يغيروا حياتهم من قواعدها .
قال الفيلسوف الإنجليزى المعاصر"برتراند رسل ط في تصريح له:"
"لقد انتهى العصر الذى يسود فيه الرجل الأبيض .. وبقاء تلك السيادة إلى الأبد ليس قانونا من قوانين الطبيعة" (1) "واعتقد أن الرجل الأبيض لم يلقى أياما رضية التى لقيها خلال أربعة قرون .."" (2) "
وقال"جون فوستر دالاس"وزير خارجية أمريكا في كتاب"حرب أم سلام":
"إن هناك شيئا ما يسير بشكل خاطئ في أمتنا ، وإلا لما أبحنا في هذا الحرج ، وفى هذه الحالة النفسية . ولا يجدر بنا أن نأخذ موقفا دفاعيا (لعله يقصد تبريريا) وأن يتملكنا الذعر .. إن ذلك أمر جديد في تاريخنا!"
"إن الأمر لا يتعلق بالماديات ، فلدينا أعظم إنتاج عالمى في الأشياء المادية . إن ما ينقصنا هو إيمان صحيح قوى . فبدونه يكون ما لدينا قليلا .. وهذا النقص لا يعوضه السياسيون مهما بلغت قدرتهم ، أو الدبلوماسيون مهما كانت فطنتهم ، أو العلماء مهما كثرت اختراعاتهم ، أو القنابل مهما بلغت قوتها ! فمتى شعر الناس بالحاجة إلى الاعتماد على الأشياء المادية فإن النتائج السيئة تصبح أمرا حتميا ."
"وفى بلادنا لا تجتذب نظمنا الإخلاص الروحى اللازم للدفاع عنها . وهناك حيرة في عقول الناس وتأكل لأرواحهم . وذلك يجعل أمتنا معرضة للتغلغل المعادى - كما كشف عنه نشاط الجواسيس الذين تم كشفهم حتى الآن - ولن تستطيع أى إدارة لمكافحة التجسس أن تقوم بحمايتنا في هذه الظروف"" (3) ".
وقال"ألكسيس كاريل"فى كتاب"الإنسان ذلك المجهول":
"إن هدف هذا الكتاب هو أن يضع تحت تصرف كل شخص مجموعة من المعلومات العلمية التى تتعلق بالكائنات الحية في عصرنا . فقد بدأنا نردك ممدى ما في حضارتنا من ضعف .. وكثيرون يرغبون في أن يلقوا عنهم التعاليم التى فرضها عليهم المجتمع الحديث . ولهؤلاء أكتب هذا لكتاب .. كذلك كتبت لأولئك الذين يجدون من أنفسهم شجاعة كافية ليدركوا - ليس فقط ضرورة إحداث تغييرات عقلية وسياسية واجتماعية - بل أيضا ضرورة قلب الحضارة الصناعية وظهور فكرة أخرى للتقدم البشرى" (ص 11 - 12 من الترجمة العربية لشفيق أسعد فريد) .
(1) ""لا يريد الرجل أن يقول"السنن الربانية"فيسميها - بفعل الجاهلية - قوانين الطبيعة !
(2) ""عن المستقبل لهذا الدين (ص 55) .
(3) ""عن المستقبل لهذا الدين (ص 83) .