عقيدة التوحيد هي جوهر الدين وأساسه، فالتأثير فيها سلباً أو إيجاباً هو أخطر التأثيرات على دين المسلم.
ولما كان الإعلام من أقوى المؤثرات - إن لم يكن أقواها - في عصرنا هذا على حياة الناس الفكرية والسلوكية، كان البحث في تأثير الإعلام الغربي على عقيدة المسلم المتعرض له؛ من أهم ما ينبغي أن ينشغل به الباحثون.
لذلك سرني أن يكون النظر فيه ضمن اهتمامات هذه المناسبة المباركة.
إن وسائل الإعلام ليست قاصرة - كما هو معروف - على الصحف والمجلات، والراديو والتلفاز، بل تشمل الكتب العامة والسينما، وربما المسرح، وتشمل الآن الشبكة العالمية (الانترنت) .
لكنني أريد أن أضيف في هذا المقال إليها حتى الكتب المدرسية لعظم تأثيرها على الآلاف المؤلفة من أبناء المسلمين.
إذا استثنينا الإعلام الكنسي بكل وسائله - وهو إعلام لا يكاد يتعرض له المسلم - فربما استطعنا أن نقول إن الإعلام الغربي نادراً ما يتعرض للمسائل الدينية بطريقة مباشرة، فكيف يكون له إذن تأثير إيجابي أو سلبي على الدين؟
نعم إن له لتأثيراً أيما تأثير لأنه ليس من شرط التأثير أن يكون مباشراً، بل إن التأثير غير المباشر قد يكون أعظم من التأثير المباشر كما سنرى، وهو في غالبه تأثير سيء، وإن كان لا يخلو من بعض التأثيرات الحسنة، ونعني بالتأثير غير المباشر هنا تلك المعتقدات العلمانية الإلحادية المادية الشائعة في الغرب، والتي تفترض صحتها، والتي تكمن لذلك وراء تفسيراتهم للحوادث الطبيعية والاجتماعية والنفسية، وإن كان لا يصرح بها إلا نادراً.
التأثير السلبي:
تأثيرات الإعلام الغربي السلبية على عقيدة المسلم كثيرة، نذكر منها فيما يلي بعض ما يحضرنا ونراه مهما:
أولاً: من التأثيرات الشديدة الخفاء، البالغة الضرر؛ الاعتقاد السائد بين كثير من علماء الطبيعة والاجتماع - وبالتالي بين عامة المفكرين والصحفيين والمحللين في الغرب - أن التفسير العلمي للحوادث سواء كانت طبيعية أو اجتماعية هو ذلك التفسير القائم على افتراض أن هذا الكون مكتف بنفسه، وأن تفسير حوادثه ينبغي لذلك أن يكون من داخله، أعني أن الظواهر يجب أن تفسر بظواهر أخرى، وأن كل تفسير لشيء من حوادث الكون بإرجاعها إلى سبب خارج عنه هو تفسير خرافي غير علمي.
هذا هو المبدأ المفترض، لكنه لا يقرر بهذه الطريقة الصريحة التي ذكرتها، وإنما يفترض افتراضاً، وقد يفترضه ويلتزم به حتى من لم يفكر فيه من العلماء الطبيعيين، وسائر المفكرين، والصحافيين.
من مظاهر افتراضهم له أنهم يقفون في تفسيرهم للحوادث عند أسبابها الدنيوية - ظاهرة كانت أم خفية - ولا يتجاوزونها.
وما ذلك إلا للاعتقاد بأنها هي الأسباب الحقيقية الكافية، لكن المسلم مع اعتقاده بفاعلية الأسباب الطبيعية أو الاجتماعية أو النفسية لا يقف عند حدودها، بل يذكر نفسه بأنها إنما صارت أسباباً بجعل الله لها أسباباً، وأن الفاعل الحقيقي إنما هو الخالق سبحانه.
قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: يارسول الله: أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ قال: هي من قدر الله. [سنن الترمذي، كتاب الطب، باب ما جاء في الرقى والأدوية] ، قلت: إن هذا المبدأ الإلحادي قليلاً ما يصرح به، وأقول إن التزامه في الواقع قد لا يبدو فيه ما يخالف عقيدة المسلم، ما دام المسلم معترفاً بتأثير الأسباب المخلوقة وفاعليتها، لكن الأمر في الحقيقة ليس كذلك، إن المتلقي إذا كان لا يسمع لله ذكراً أبداً في كل ما يخبر به من حوادث طبيعية واجتماعية يوشك أن يتأثر بذلك المبدأ فينسى هو الأخر ذكر الله - تعالى-، وينحو نحو أصحابه في تفسيره للحوادث، فلا تكون له فيها عبرة.
المبدأ الغربي الثاني الذي أراه أيضاً ذا أثر سيئ، والذي أراه قد بدأ ينتشر حتى بين المسلمين في العالم الإسلامي بسبب التأثر بالثقافة الغربية التي تنقل عن طريق وسائل الإعلام؛ هو مبدأ النسبية.
أعني نسبية الحقائق والقيم، لقد أصبح من المسلمات عند كثير من الناس في الغرب أنه لا توجد حقيقة مطلقة، ولا قيمة مطلقة، وإنما الحقائق والقيم نسبية، أي إنها منسوبة وتابعة لزمانها، أو مكانها، أو الحضارة والثقافة التي ظهرت فيها، وهكذا.
فما قاله الناس في العصر الفلاني، أو اعتقدوه في المكان الفلاني، أو رأوه حسناً في الحضارة الفلانية، كل هذا صحيح أو معقول بالنسبة لهم، وإن كنا نراه نحن في ظروفنا أو زماننا أو حضارتنا على غير ما رأوه، وما دام الأمر كذلك فليس من حق أحد أن يقول إن فهمه لنص من النصوص هو الفهم الصحيح، أو إن فهم خصمه خطأ، وأننا ينبغي لذلك أن لا نكون سلفيين في فهمنا للنصوص، فللسلف زمانهم، ولنا زماننا، ولهم ظروفهم، ولنا ظروفنا، بل قد رأيت بعضهم غلا في هذا الأمر حتى قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يفسر القرآن لعصرنا لأنه لا يعرفه.
ثالثاً: الاعتقاد في المفهوم السلبي للحرية.