سؤال:
لدينا حزب سياسي إسلامي في بلادنا ، شعاره هو إقامة الإسلام في البلاد ، من خلال الحصول على الحقوق القانونية لممارسة السلطة في البلاد ، وكوني من أبناء هذا البلد الذي لا يكاد يوجد فيه شخص يتبع الإسلام ، والمحرمات تنتشر بسبب نقص الإيمان لدى الأحزاب السياسية الأخرى ولدى معظم الناس ، فهل في هذا الوضع يكون فرضا أن ننضم إلى هذا الحزب السياسي الإسلامي الذي يعطي الأمل بأنه إذا أيدناه وانضممنا إليه فإنه بذلك يمكن إقامة الإسلام ، هذا مع العلم بأن أسرتي تمنعني من الانضمام إلى هذا الحزب ، ولكن فلسفة الحزب تشدني إليه ، أرجو النصيحة .
الجواب:
الحمد لله
أولاً:
أوجب الإسلام على أتباعه أن يكونوا مجتمعين على الحق ، وحذَّرهم من الفرقة ، وأخبرهم التنازع والتفرق بعد العلم بالحق هو سبيل غير المسلمين ، وهو كفيل بإحداث الفشل وذهاب القوة ، وهو ما يجعلهم فريسة سهلة المنال من المتربصين بالإسلام .
قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) آل عمران/103 .
وقال ابن كثير - رحمه الله -:
وقوله: ( وَلا تَفَرَّقُوا ) : أمَرَهُم بالجماعة ، ونهاهم عن التفرقة ، وقد وردت الأحاديثُ المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف ، كما في صحيح مسلم من حديث سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال: ( إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا ، يَرْضى لَكُمْ: أنْ تَعْبدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وأنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ، وأنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلاهُ اللهُ أمْرَكُمْ ؛ وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا: قيلَ وَقَالَ ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ، وإِضَاعَةَ الْمَالِ ) ، وقد ضُمِنتْ لهم العِصْمةُ عند اتفاقهم من الخطأ ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضًا ، وخِيفَ عليهم الافتراق ، والاختلاف ، وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة ، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومُسَلمة من عذاب النار ، وهم الذين على ما كان عليه رسولُ ا صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
"تفسير ابن كثير" ( 2 / 89 ، 90 ) .
وقال تعالى: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) آل عمران /104،105 .
ثانياً:
لا يجوز للمسلم الانضمام إلى الأحزاب المخالفة للدين أو المحاربة له ، كالأحزاب العلمانية أو القومية أو الشيوعية ؛ لأن في الانضمام إليهم إقراراً بضلالهم وكفرهم ، وتكثيراً لسوادهم .
قال تعالى: ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) الأنعام/153.
وقال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) الأنعام/159 .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله -:
يتوعد تعالى الذين فرقوا دينهم ، أي: شتتوه وتفرقوا فيه ، وكلٌّ أخذ لنفسه نصيباً من الأسماء التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئاً ، كاليهودية ، والنصرانية ، والمجوسية ، أو لا يكمل بها إيمانه ، بأن يأخذ من الشريعة شيئاً ويجعله دينه ، ويدع مثله ، أو ما هو أولى منه ، كما هو حال أهل الفرقة من أهل البدع والضلال والمفرقين للأمة .
ودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف ، وينهى عن التفرق والاختلاف في أهل الدين ، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية .
وأمره أن يتبرأ ممن فرقوا دينهم فقال: ( لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) أي: لست منهم ، وليسوا منك ؛ لأنهم خالفوك وعاندوك .
( إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ) يرِدون إليه ، فيجازيهم بأعمالهم ، ( ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) .
"تفسير السعدي" ( ص 282 ) .
ثالثاً:
لا مانع للمسلمين من إقامة جمعيات خيرية وإصلاحية لتقوم بالدعوة إلى الله من خلالها ، أو بأعمال الخير عموماً ، على أن لا يكون تعصب للاسم أو للآراء بما يحدث فرقة في صف المسلمين .
رابعاً:
لا يجوز للمسلمين تكوين أحزاب وجماعات تقوم على التعصب لآرائها ، والتحزب لقياداتها ؛ لما في ذلك من الوقوع في التفرق الذي نهينا عنه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:
وليس للمعلِّمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء ، بل يكونون مثل الأخوة المتعاونين على البر والتقوى كما قال تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) .