فهرس الكتاب

الصفحة 1596 من 27364

مقدمة الناشر: [1]

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وبعد:

فإن الحملة الصليبية التاسعة التي أعلنها الكاثوليك الفرنسيون - من رهبان وساسة - في المملكة التونسية أثناء عيد الأضحى من عام 1348 ونشرنا فيها كتاباً بعنوان (ظاهرة مريبة) ما زالت بعد ذلك تمعن في الشر وتوغل في العدوان، حتى إذا وافى عيد الأضحى من سنة 1351 صار لهذه الحملة بنادق ورشاشات، ومدافع ودبابات، فأثيرت حفائظ الشعب الإسلامي المسالم، وأرغم على الغضب إرغاما. لأن الذين ارتدوا عن دين الإسلام من التونسيين بتحريض رجال الحملة وأذنابهم أرادت السياسة الصليبية أن تغير حكم الإسلام فيهم، إغراءً لضعاف القلوب والإيمان من المسلمين، حتى يقتدوا بهم ويرتدوا مثلهم عن دينهم، فأوعزت إلى من يؤثر العاجلة على الآجلة من علماء السوء ووزراء السوء أن يصنعوا في ذلك فتوى يقوّلون فيها الإسلام ما لم يقل، ويحوّلون بها حكمه إلى عكس ما أراد الله منه، فتجددت بذلك معركة من معارك هذه الحملة الصليبية. وكان مكتب الأخبار التونسية يراقب وقائع هذه الكارثة بيقظة وانتباه فدوّنها في هذه الرسالة إيقاظا وإنذاراً لشباب العرب والإسلام في جميع أقطار الأرض، وتخليداً للحقيقة في صفحات التاريخ حتى تعرفها الأجيال الآتية من أبناء الشرق وأبناء الغرب كما وقعت.

إن العالم الإسلامي كله جسم واحد، والوطن الإسلامي مهما اختلفت بقاعه فهو وطن للمسلمين جميعاً؛ فيجب على كل مسلم أن يكون واقفاً على ما يقع في أي بقعة من بقاع وطنه الأكبر، ليكون قلبه على اتصال بإخوانه المسلمين فيشاركهم في آمالهم وآلامهم، ويبقى المسلم ضعيفاً في رابطته الإسلامية حتى يستكمل العمل الصحيح بسراء المسلمين وضرائهم، ولذلك نحن نعنى بإصدار مثل هذه الرسالة بين حين وآخر.

القاهرة 20 صفر 1352

محب الدين الخطيب

الحملة الصليبية على الإسلام في شمال أفريقيا:

محاولة القضاء على الإسلام بتجنيس أهله بالجنسية الفرنسية، بعد تحديه بالمؤتمر الأفخارستي، وبالقضاء على حرية الصحافة العربية، ومنع تأسيس جمعية الشباب المسلمين، والحفاوة بجمعية الشبان المسيحيين، ومنع المدارس القرآنية للذكور من الازدياد، وللإناث من التأسيس، وبتحدي جمعية العلماء المسلمين في الجزائر، وبالظهير البربري في المغرب الأقصى، كل ذلك: إيقاظ وإنذار للعالم الإسلامي والعربي.

إن ثقتنا بما دب في العالم الإسلامي والعربي من شعور وإحساس وروح أشعرته بالكرامة، وسمت به عن التخاذل والاستخذاء، هي التي دفعتنا إلى رفع هذا الصوت مخاطبين به ذلك الإحساس والشعور الشريف، ومستنجدين تلك الروح التي جعلت حداً بمظاهرها الأخيرة بين ظلمة الماضي ونور المستقبل الفياض بالآمال الزاهرة.

إن البرنامج المتحد الذي تهاجم به دول الاستعمار ديار العروبة والإسلام لم يعد يجهله أحد، وان اختلفت ألوانه وآثاره باختلاف منفذيه، فما تقوم به الدول اللاتينية في أفريقيا وبعض بلاد الشرق لا يتفق في لونه مع ما تقوم به غيرها في ما لها من مستعمرات وأن اتحد معه في الغاية والأثر.

فإذا كانت غير الدول اللاتينية تعتني بابتزاز ثروة المستعمرات وجهود أبنائها ولا تعتني بما وراء ذلك - اللهم إلا دعاية نصرانية تقوم على مؤسسات حرة أداتها التشويق ومحاولة الإقناع - فإن الدول الاستعمارية اللاتينية تعتني بالاستحواذ في مصادر الثورة واحتكار الجهود والتحكم المطلق في مصائر الأمم والعمل على تفكيك وحدتها والقضاء على جامعتها لتزول مرة واحدة من الوجود.

فالبلاد التونسية منذ نكبت بالاحتلال وفقدان الاستقلال يعمل فيها المحتلون من الفرنسيين - كما يعملون في غيرها - على محو الذاتية الماثل فيها وجود الأمة بالقضاء على مقوماتها ومشخصاتها: من لغة وأدب، ودين، كل ذلك جرياً وراء تنفيذ خطة لهم في مذهبهم الاستعماري معلومة، تلك هي إزالة سلطان المسلمين من هذه الأرض التي يريدون إسكان عناصر مسيحية بها يعملون على جلبها بمختلف الوسائل من آفاق الأرض ليعمروا بها البلاد، بدل المسلمين الذين أخذوا ينقرضون شيئاً فشيئاً بعوامل سياسة الشدة والإفقار، وليجعلوا بعد ذلك من هذه الأرض إمبراطورية فرنسية كما يقولون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت