السلام عليكم..
تعرَّفت على مواطنةٍ من لتوانيا، وأردت أن أدعوها للإسلام كي تعتنقه كما فعلت من قبل مع شخص آخر، ولكن هذه المرة أصعب.. لأنها كانت لا تؤمن بوجود الله، ولكنها بعد فترة اقتنعت بوجوده سبحانه، ولكنها لا تعتقد بالأديان نهائيا، وهي متصورة أنها ليست من عند الله؛ كما أنها معقدة من الدين المسيحي ومن الأديان عامةً، لأنها تضع لها القوانين والقواعد وهي تريد أن تعيش حياتها كما تريد، وتعتقد أن الأديان كانت للناس القدماء وأنها أصبحت غير مواكبة للعصر، وأنها سبب في النزاعات والقتل، وأنها تهدف في النهاية إلى عبادة الله.. ولذلك فهي تريد أن تعبده كيف تشاء.
أرجوكم ساعدوني، وأخبروني من أيِّ مدخلٍ أبدأ معها.
وجزاكم الله خيرًا.…السؤال
دعوة غير المسلمين …الموضوع
الدكتور محمد محمود منصور…المستشار
……الحل …
…الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول ا صلى الله عليه وسلم ، وبعد؛
شكر الله لكم، وجزاكم خيرًا على حبكم لإسلامكم وحرصكم عليه وعملكم له.
أخي الكريم هاني؛
عليك أن تبدأ الحديث بناءً على القواعد العامة الآتية، والتي عليك أنت أولا أن تستوعبها جيدًا حتى يمكنك أن تنقلها بالأسلوب المناسب في الوقت المناسب والمكان المناسب.
* أولا: لم يخلق الله تعالى ليتعسهم، وإنما خلقهم ليسعدهم.
ففي قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ، يقول في تفسيرها الإمام القرطبي، والإمام ابن كثير نقلا عن بعض العلماء:"إلا ليعرفون"، أي ليتعرفوا علي وعلى أرضي وعلى كوني وعلى خيراتي وليستكشفوها ولينتفعوا بها، وليتمتعوا بمتعها الحلال ليسعدوا بذلك.
ويؤكد ذلك أيضًا قوله تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) ، حيث جاء في تفسير القرطبي: أي أعمركم فيها، أي أعطاها لكم عمرى، أي هِبَةً تنتفعون بها أنتم وورثتكم حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ويؤكده أيضًا قوله: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه) ، وقوله: (ولكم في الأرض مستقرٌ ومتاعٌ إلى حين) ، قال الإمام الطبري في تفسيره لهذه الآية الأخيرة: الله جل ثناؤه جعل حياة كل حي متاعًا له يستمتع بها أيام حياته، وجعل الأرض للإنسان متاعًا، بقراره عليها، واغتذائه بما أخرج الله من الأقوات والثمار والتذاذه بما خلق فيها من الملاذِّ.. وتبلغون باستمتاعكم بها إلى أن يبدلكم بها غيرها (أي جنة الخلد) .. ثم بعد فترة استمتاعهم في الدنيا يدخلهم سبحانه بكرمه وفضله وحبه لهم جنته حيث النعيم الهائل المقيم الخالد -للمؤمنين بذلك- الذي لا يشوبه أي تعكير قد يحدث في الدنيا، كما يقول الإمام القرطبي: (إلى حين) بشارةٌ إلى آدم عليه السلام ليعلم أنه منتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها.
ولم يخلقهم سبحانه مباشرةً في الجنة، لأنه لو كان فعل ذلك لكان من المحتمل ألا يشعر بعضهم بعظمتها!!!
فأنزلهم إلى الأرض لفترةٍ حتى تكون المقارنة واضحة وعملية بين نعيمها المتقطع ونعيم الآخرة الهائل الدائم بعد العودة إليها.. فذلك مثل قوله عز وجل: (وإنْ منكم إلاَّ واردها) ، أي تمرون يوم القيامة على النار لتقارنوا بينها وبين نعيم الجنة الذي أنتم فيه يا مؤمنون فتعرفوا نعم الله الجزيلة عليكم وتشكروها، (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم) .
قال الإمام القرطبي في هذا المعني في تفسيره لقوله تعالى (وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو) : لم يكن إخراج الله تعالى لآدم من الجنة وإهباطه منها عقوبةً له، لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته، والصحيح في إهباطه وسكناه الأرض ما قد ظهر من الحكمة في ذلك وهي نشر نسله فيها.
* ثانيًا: من رحمته سبحانه أنه لم يترك بني آدم علىالأرض بدون نظام (إن الله بالناس لرءوفٌ رحيم) ، وإنما أنزل لهم شرعا يسعدهم، كما يقول (طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقي) ، قال الإمام القرطبي في تفسيره: دين الإسلام، وهذا القرآن هو السلم إلى نيل كل فوز، والسبب في كل سعادة، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها.
وأنزل للناس رسلا ليتعلموا منهم كيف يسيروا بهذا النظام بسهولة (رسلا مبشرين ومنذرين) ، (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) ، وجعل فيهم فطرة توجههم لربهم وللاستعانة به (فطرة الله التي فطر الناس عليها) .
لذا فالإسلام سعادة الناس، لأنه ينظم لهم كل صغيرة وكبيرة في حياتهم، في كل شئونهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والعلمية والإعلامية والرياضية والفنية والصحية والإدارية وغيرها، يقول تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) .. فهو يعلمهم كيف يأكلون ويشربون وينامون ويستيقظون ويلبسون ويلعبون ويتزوجون وينتجون ويكسبون ويعملون ويتطورون ويتعلمون ويبتكرون ويتفاعلون فيما بينهم وغيرهم ويتحابون ويتصاحبون ويتصافون ويتعاونون ويترابطون ويتناصحون ويتشاورون ويتجنبون خلافاتهم ويتصالحون إذا اختلفوا ويزدوادون تمساكًا بعدها.
يقول تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) .