فهرس الكتاب

الصفحة 5339 من 27364

د. بدران بن الحسن 18/10/1425

هذا سؤال يحتاج إلى تفكيك وتركيب حتى يمكن الإجابة عنه.

تفكيك، أو بعبارة أخرى تحليل إلى عناصر أوّلية، لنفهم المنهج، والحداثة، وفكر الحداثة.

ثم تركيب لهذه العناصر، حتى نستطيع الإجابة عنه، باعتباره يعالج قضية مكتملة الصورة في أذهاننا.

ولهذا، نرى أن نبدأ الحديث عن الحداثة باعتبارها مرحلة تاريخية ارتبطت بالتطور الحضاري الغربي، كما ارتبطت بتطور التاريخ العالمي في صلته بالغرب وبالحضارة الغربية.

ثم بعد ذلك نتحدث عن جذور الحداثة، أو الأسباب المباشرة التي أدت إلى الحداثة، وهي كما نعتقد؛ الإصلاح الديني والسياسي، وحركة النهضة الصناعية، وتفجر المعرفة وظهور التكنولوجيا.

هذه العوامل الثلاثة التي أحدثت انقلاباً في علاقة الأوروبي بالعالم والكون والحياة، كما غيّرت نظرته الكونية كما يقول الفيلسوف الألماني ألبرت شفيتزر.

وهذا يقود إلى تناول الحداثة باعتبارها موقفا فكرياً، أي الحديث عن فكر الحداثة من خلال النظر إلى الحركة الفكرية التي واكبت ظاهرة الحداثة؛ من ثورة على نمط التفسير الكنسي للعالم والحياة والتاريخ، والنسق الأرسطي للتفكير القائم على الاستنباط والدوران داخل محيط المبادئ الفكرية المجرّدة، والاعتماد على الاستنتاجات العقلية، إلى نظرة وضعيّة؛ تؤمن بإمكانية المعرفة من خلال الحواس، واعتماداً على الطبيعة، واستبعاداً للميتافيزيقا واللاهوت الغيبي المسيحي.

وهذا بدوره يؤدي بنا إلى الإمساك بخيوط المنهج الذي قام عليه هذا الفكر؛ فكر الحداثة، وإلى الحديث عن أهم مفردات بل قواعد هذا المنهج، التي هي في تصورنا الفصل بين الفكر الكنسي الأرسطي الجامد وبين الفكر الوضعي العملي الواقعي، وجعل الإنسان مصدر القيم ومركزها؛ اي مرجعيّة إنسانية (هيومانية كما يقول المسيري) كامنة غير متعالية على الطبيعة.

وكذا توسّع مسار العلمنة واستبعاد المقدس من أن يكون فاعلاً في التاريخ، وهذا بدوره يقود إلى إفراغ مفاهيم مثل: الله، والغيب، والأخلاق من معانيها، ومن فاعليتها العلمية والاجتماعية.

لنصل في الأخير إلى مأزق هذا المنهج، ومآلاته الرهيبة على الفكر والحضارة والتاريخ الإنساني، بل وخطورته على الإنسان في أخص خصائصه؛ وهي إنسانية الإنسان وكرامته.

وإذا جئنا إلى العناصر التي تركب سؤالنا عن المنهج في فكر الحداثة، فإن الحداثة في المعنى اللغوي تأتي من الحديث ضد القديم، ولهذا فنحن أمام ثلاثة مصطلحات مترابطة تشكل مفهوما واحداً في مجموعها، هذه المصطلحات هي: الحديث (Mode r n) ، والحداثة (Mode r nity) ، والتحديث (Mode r nization) .

فالأول يعبّر عن وصف لشيء يتصف بأنه حديث ضد قديم، أما الثاني فيعبّر عن حالة أو ظاهرة (phenomenon) ، أما الثالث فيعبر عن عملية قصدية تبتغي القيام بتحول من قديم إلى حديث عبر مرحلة زمنية وتاريخية هي الحداثة (p r ocess of mode r nization) .

إذن هناك مرحلة تاريخية شهدت ولا تزال تشهد عملية تحول من القديم إلى الجديد (الحديث) شاملة لكل الأبعاد الاجتماعية والثقافية والعلمية وغيرها. وبعبارة أخرى فهي مرحلة تحول ذات أبعاد متعددة.

وإذا تعلق الأمر بالحداثة باعتبارها ظاهرة غربية صاحبت التطور الحضاري الغربي، فإننا نقول بصددها: إنها تلك التحولات ذات الأبعاد المتعددة التي حدثت في المجتمعات الغربية منذ عصر النور والثورة الصناعية والإصلاح الديني إلى بدايات القرن العشرين الميلادي، عبر مسار معقد، وتراكم متنوع، دام عدة قرون.

أما فكر الحداثة، فهو ذلك الفكر الذي مهّد لهذا التحول الحضاري الغربي أو صاحبه، باعتباره (أي الفكر) عملية تعبير عن الظاهرة، وصياغة تجريدية لها ولتجاربها ومقولاتها وإنتاجاتها.

أما المنهج في الحداثة، فهو التصورات والمفاهيم والمقولات التي على أساسها بُني هذا الفكر، وعلى أساسها تمت الصياغات النظرية للحداثة.

الحداثة وأوجهها المتعددة

الحداثة موقف عقلي، يتمثل في عدم الرضا بالطرق التقليدية للحياة، والتركيز على استغلال الموارد الطبيعية مستخدمة في ذلك المعرفة والتقنية الحديثة، والتغير الاجتماعي أحد أهم علاماتها، كما أن النمو الاقتصادي أكبر نجاحاتها، وهي تلمس الحياة الانسانية في كل جوانبها تقريباً، ولذلك فيمكن القول: إنها ذات أبعاد أو أوجه متعددة.

ومن الصعوبة بمكان إعطاء تعريف محدّد للحداثة، أو تجسيدها في نموذج واحد؛ فالاقتصاديون يركزون اهتمامهم على النمو الاقتصادي، وذلك من خلال ربطها بالتقنية والتصنيع اللذين أدّيا إلى نشوء الرأسمالية والاشتراكية في العالم الغربي. بينما علماء الاجتماع يقدمون لنا عدة تعاريف ونماذج للظاهرة، ويركزون اهتمامهم على ما لحق بنية المجتمع من تغيير، أما علماء السياسة فيركّزون على جانب الأنظمة السياسية وتوازنات السلطة وكيفية تشكيل الحكومات وإدارتها للصراع بين طبقات المجتمع، ومن هذه الزاوية فإن الحداثة تنطبع فيما حدث من تطورات في بنية الديمقراطيات الغربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت