[الكاتب: أبو محمد المقدسي]
وإذا تركنا هلوسات هذا الكاردينال الحاقد واكتفينا برد أحد أبناء ملته عليه.. والتفتنا قليلاً إلى حال الأقليات بل الأكثريات والشعوب المخالفة لهم في الدين أو القومية أو حتى اللون في بلادهم، ولن نكرر هنا ما أشرنا إليه من محاكم التفتيش في أوروبا وما فعله الصليبيون في بيت المقدس وسائر بلاد المسلمين...
بل سنذكر شيئاً من جرائمهم وثمرات عنصريتهم وأحقادهم في العصر الحديث..
ابتداء من إبادة شعوب بأكملها واحتلال أراضيها ومصادرة مقدراتها كما فعلوا مع شعب الآزتيك وغيرهم من شعوب أمريكا اللاتينية (الهنود الحمر) بدافع العنصرية ونزع صفة الإنسانية عنهم، وإذلال واحتقار وامتهان من تبقى منهم (ولذلك تقف أمريكا اليوم - كما سيأتي - إلى جنب إسرائيل بقوة ؛ فإن الأخيرة لا تفعل اليوم في فلسطين إلا ما فعلته أمريكا مع سكان أمريكا الأصليين) ومثل ذلك فعلوا في أستراليا وشعبها وسكانها الأصليين الذين يعرفون (بالأبورجينز) ...
ومعلوم أن حملة كريستوفر كولومبوس التي وصل الأوروبيون بها إلى أمريكا كانت تضم أعداداً كبيرة من السجناء العتاة والمجرمين الذين أرادت ملكة إسبانيا التخلص منهم ومن شرورهم فضمتهم إلى حملة كولومبوس، فهؤلاء هم أجداد الأمريكان الفاتحين!!
ويقول الكاتب الأمريكي (دي توكفيل) في كتابه (الديمقراطية في أمريكا) : (نزلت أول جالية إنجليزية في فرجينيا عام 1607م وكانوا يسعون وراء الذهب، وكانوا قوماً مقامرين نفعيين لا أخلاق لهم) أهـ.
ثم تأمل كيف بنى هؤلاء أمريكا لقد بنوها بسواعد وجهود الأفارقة الذين كانوا يختطفونهم من شواطئ أفريقيا ويجلبونهم بالسلاسل إلى أمريكا فيسترقونهم ويبيعونهم ويسخرونهم في الأعمال الشاقة والفظيعة وازدهرت بذلك تجارة الرقيق، وكانوا يعيشونهم كقطعان الدواب ويستعبدون نسلهم ويتاجرون بهم أيضاً.
وحتى بعد انتهاء حقبة الرق والعبيد لا زالت سلالات اؤلئك العبيد تعاني إلى اليوم من العنصرية والتفرقة وسوء الحالة المعيشية وتدني مستويات الدخل وتفشي البطالة، والمتأمل لمناطق سكناهم وأحوالهم في أمريكا لا يجادل في هذه الحقائق ويعرف عنصرية الحضارة الأمريكية المعاصرة وتمييزها!!
وأيضاً فالمتأمل لتاريخ أمريكا منذ تأسيسها، وتدخلاتها في أنحاء العالم، يجدها تقوم على تحقيق مصالحها بغض النظر عن خسة الوسائل ومخالفتها لمبادئ الحرية والعدالة والحقوق التي تتغنى بها، الشيء الذي يفضح دعاوى ترويجها للديمقراطية والحريات...
فأمريكا هي قامعة كثير من الثورات ضد الدكتاتوريات المختلفة ليس في العالم الإسلامي وحسب بل في العالم كله..
تأمل تدخلاتها في دول أمريكا اللاتينية مثلاً...
فمخابراتها هي التي أطاحت بحكومة منتخبة (أي ديمقراطية في عرفهم) في (جواتيمالا) عام 1954م وأخضعتها لحكم دكتاتوري أربعة عقود ذهب ضحيته عشرات الألوف من الرجال والنساء تحت صنوف التعذيب والقتل الجماعي والخطف والإعدام..
وما حدث في تشيلي فصل آخر من ذلك، حيث أطاحت (بسلفادور الليندي) الذي وصل إلى الحكم من خلال ديمقراطيتهم، و مع ذلك فلمعارضته لأمريكا وميوله الماركسية و مع أنه سعى لجعل تشيلي نموذجاً ديمقراطياً!! وسعى في محاربة الفساد، ونادى بأن يتمتع الشعب بثروات البلاد، إلا أن واشنطن سلطت مخابراتها لإسقاطه، واغتالته في 11/9/1973م وخربت اقتصاد البلد ونشرت الفقر ودعمت الفساد وساندت انقلاباً دموياً أوصل إلى الحكم حكومة ديكتاتورية ذهب ضحيته آلاف الرجال والنساء تحت التعذيب والقتل، حتى استعملت الكلاب المدربة في اغتصاب النساء، كل ذلك ببركات أمريكا..
وهكذا فلا تكاد توجد دولة في العالم سلمت من تدخلات واشنطن في سياساتها الداخلية، وولدت هذه التدخلات في كثير من البلدان حكّاماً فاسدين متسلطين جداً..
أليسوا هم من زرعوا الشاه في إيران وأعادوه بعد أن أبعدته حكومة محمد مصدق فقضوا عليها وأعادوه إلى الحكم عام 1952م؟
أليسوا هم من صنعوا ودعموا الدكتاتور ماركوس في الفلبين؟ وسوهارتو في إندونيسيا، وسوموزا في نيكاراغوا، وباتيستا في كوبا، وبينوشيه في تشيلي.
وفي الدومينكان تدخلوا عام 1916م ضد ثورة الشعب على السلطة الفاسدة وفرضوا حكومة عسكرية عميلة لهم.. وهكذا في جواتيمالا والبرتغال وبولونيا وهايتي كلها شواهد على تدخلات أمريكية لصالح الحكومات الاستبدادية الديكتاتورية العميلة لها ضد رغبات الشعوب. ثم لا يستحيوا مع هذا كله أو يخجلوا أن يتكلموا أو يُنَظِّروا في الديمقراطية والحريات!!