احمد سعد
في مطلع التسعينات حاول منظرو الرأسمالية تسويق مقولة ديماغوغية مفادها ان الرأسمالية التي دخلت مرحلة العولمة، هي الخيار الوحيد للبشرية وتطورها الحضاري وحاملة مشعل الامن والاستقرار والازدهار الاقتصادي- الاجتماعي كونياً في ظل انتهاء مرحلة الصراع الايديولوجي عالمياً، خاصة وان الفكر الماركسي الطبقي والصراع الطبقي وبناء الاشتراكية قد انهوا رسالتهم التاريخية بالفشل الذريع ولا مكان لهم بعد!!
وقد بنى منظرو الفكر البرجوازي الامبريالي امثال فوكومايا وبيرجنسكي وغيرهما ارائهم النظرية بابعادها السياسية في خدمة النظام الرأسمالي العالمي بناء على عاملين اساسيين كانا بمثابة الخلفية الرئيسية لبلورة الطابع والمفهوم العصريين للعولمة بمكوناتها ومدلولاتها الاقتصادية- الاجتماعية والسياسية والثقافية.
العامل الاول: دخول العالم في بلدانه الصناعية الرأسمالية المتطورة الموجة الثالثة من الثورة العلمية التقنية منذ مطلع التسعينات- الثورة الالكترونية، ثورة المعلومات والاتصالات. فالرأسمالية بفضل هذا التطور العلمي التقني ولا سيما في مجالي الاعلام والمعلومات، قد انتقلت الى مرحلة نوعية جديدة في تعاملها مع العالم بوصفه بنية موحدة، وهي اليوم بنية الاسواق المالية المتشابكة ورؤوس الاموال المعولمة والاستثمارات الكبيرة المدولة و اوسترادات الاعلام.
العامل الثاني، بانهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي والانظمة الاشتراكية في اوروبا الشرقية في مطلع التسعينات اجتاز النظام الرأسمالي العالمي مرحلة تمركز الانتاج والاستقطاب من اجل التوسيع في اطار الثنائية القطبية، وانتقل الى مرحلة سيادة العولمة وتعمقها لتصبح السمة المركزية للمنظومة الرأسمالية العالمية التي تقودها وتحدد مسارها الولايات المتحدة الامريكية.
وانطلاقاً من هذين العاملين يلجأ منظرو وساسة واقتصاديو الرأسمالية الامبريالية الحديثة الى تسويق المنظور الشامل للعولمة الذي يعني تذويب الحدود بين الدول وسهولة حركةالناس والمعلومات والسلع ورؤوس الاموال والاستثمارات المباشرة والتكنولوجيا والخبرات والمعلومات بين الدول لتحسين الاداء الاقتصادي العالمي من حيث التكامل الاقتصادي!! فلوكان هذا المفهوم هو حقيقة ما يتجسد على ارض واقع التطور في عالمنا وعلى ساحة العلاقات الدولية كلنا بصمنا بالعشرة، ولكن الواقع غير ذلك، فالعولمة بطابعها وجوهرها ومدلولها غير قائمة على قواعد ومباديء العدل والمساواة في التقسيم العالمي للعمل. ففي ظل الثورة العلمية التقنية الحديثة والدور الكبير للثورة المعلوماتية والاعلامية- الكمبيوتر الانترنت.. تستطيع البشرية اكثر من اي وقت مضى التحكم بالزمان والمكان، واكثر من اي وقت مضى الظروف مواتية موضوعية لوحدة الكون،ولكن جوهر وسياسة الرأسمالية واهدافها الطبقية والقائمة على الاستغلال والتمييز وبهدف تغذية مصالحها الانانية بجرف الارباح تجعل من العولمة عملية تجري في اطار التناقض الصارخ في المصالح بين محاور الامبريالية التي تشمل البلدان الرأسمالية الصناعية مالكة الثورة العلمية التقنية الحديثة وإنجازاتها المستثمرة وبين اطراف الرأسمالية من البلدان النامية الفقيرة المحرومة من انجازات الثورة العلمية التقنية ومن امكانيات استثمارها في تطوير اقتصادها الوطني واخراجها من هاوية الفقر والتخلف.
فمن المفارقات البارزة على ساحة العولمة انها جاءت تتويجاً لادخال التكنولوجيا الالكترونية ميدان الانتاج وتحقيق الوفرة المادية، ولكن الجانب الاخر لهذا"النجاح"هو افقار العالم الثالث وتوريطه في المجازر والمجاعات والمديونية التي تستنزف حيوية بلدانه ونهب خيراته من قبل الاحتكارات متعددة الجنسية وعابرة القارات. ففي ظل العولمة اتسعت الهوة في مستوى التطور بين البلدان الغنية (بلدان الشمال) والبلدان الفقيرة (بلدان الجنوب) قد تعمقت بشكل لم يسبق له مثيل، حتى وصل الوضع الى درجة وكأن قارات باسرها، خاصة القارة الافريقية، لم تعد قادرة على اللحاق بل ولا حتى على البقاء. فالتفاوت الصارخ في مستوى التطور يعكس نفسه في التهميش المتزايد لعدد كبير من بلدان العالم في نظام التجارة العالمية، التي صارت تتمركز اكثر فأكثر حول الاقطاب الرأسمالية الثلاثة- الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي واليابان- كما يعكس نفسه في اشكال السيطرة التكنولوجية بعد ان تحكم واحتكر عدداً قليلاً من البلدان الرأسمالية المتطورة بالتكنولوجيا البصرية وصار يحرم القسم الاكبر من الشعوب والامم من الاستفادة من نتائج البحث العلمي وتوظيفها في تطوير الانتاج ووسائله.
ان افتقار الدول النامية لعناصر القوة، لوسائل النهضة الاقتصادية من تكنولوجيا وخبرات جعلها تقع فريسة عولمة الفقر وفقر العولمة. والاخطر هنا ان البلدان النامية ليست لديها وسائل التأثير الناجع على مجرى العولمة.
والمعطيات التالية التي جمعناها من مصادر الامم المتحدة ومن مؤتمرات دولية تعكس الطابع الوحشي للعولمة ومأسيها.