فهرس الكتاب

الصفحة 8181 من 27364

إعداد: مركز أبعاد 8/2/1425

لا شك أن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تروج له الولايات المتحدة الأمريكية والتي تعمل على تسويقه لدى الدول الصناعية الثماني الكبرى وحلف الناتو؛ للضغط به على المنطقة العربية قد جاء في توقيت صعب للغاية.. فقمة الدول الثماني التي تعقد في ولاية جورجيا الأمريكية تبحث فيها أمريكا عن إعطاء شرعية دولية لمشروعها، وكذلك تعقد في نفس المدة قمة حلف الناتو في اسطنبول، وهذان الحدثان يتوافقان مع حدثين مهمين في المنطقة؛ الأول: تسليم السلطة للعراقيين في يونيو القادم، والثاني: الانتخابات الرئاسية في أفغانستان.

هذا التوافق لا معنى له إلا أن مبادرة الشرق الأوسط الكبير توجه رسالة إلى الناخب الأمريكي، إذ تعد تدشينًا لحملة بوش لتجديد ولايته في البيت الأبيض، وهذا هو النصف الأول من الرسالة، أما النصف الثاني: فيتمثل في الإيحاء للشعب الأمريكي أن بوش زعيم من فصيل عظيم للزعماء (مثل كارتر وريجان) ، فإذا كان الاثنان قد حاربا الشيوعية؛ فإن الرئيس بوش يواصل جهده لنشر الحرية والديمقراطية في العالم.

السم في العسل

هذه الملاحظة كانت جديرة بالاهتمام قبل الدخول في لب قضية الشرق الأوسط الكبير؛ فرغم أن هذه المبادرة التي تحمل في إطارها الشكلي ألفاظًا براقة مثل: الديمقراطية، والحرية، ومواجهة الفقر، والتطرف والإرهاب...؛ إلا أن هذه الألفاظ تدور في فلك"السم في العسل"، ولا تستطيع إخفاء أن الهدف الحقيقي منها هو استكمال فصول الهيمنة على المنطقة، وخلق واقع جديد تسيطر عليه واشنطن وحلفاؤها في تل أبيب وأنقرة.

وتهدف المبادرة حسب التسريبات الصحفية -حيث لم تنشر رسميًّا حتى الآن- إلى دعم الديمقراطية والحرية عن طريق دعم الانتخابات الحرة في البلاد العربية من خلال المساعدات التقنية والفنية والقانونية؛ مع الوضع في الاعتبار أن عددًا من الدول العربية قد أعلنت عن نيتها في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وبلدية في الأشهر القادمة، وعلى رأسها الجزائر وتونس والسعودية.

ويمكن في هذه الحالة للدول الصناعية الثماني أن يظهروا دعهم لهذا الإصلاح الديمقراطي عبر وسائل الدعم العديدة، ويركز واضعو المشروع على الدور المهم الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني كقوة دافعة للإصلاح، وهو ما يتطلب معه أن يكون هناك جزء كبير من المساعدات لصالح هذا القطاع للعب الدور الذي يجب أن يقوم به فيما يخص الإصلاح والتحديث.

وركزت المبادرة كذلك على ضرورة إنشاء مجتمع متقدم علميًّا من خلال التعليم الأساسي ومحو الأمية وسد النقص في الوسائل التعليمية وإصلاح برامج التعليم، ولتحقيق الأهداف فلا يجب ترك المجال الاقتصادي بدون دعم وتنمية، حيث طالبت المبادرة بتحقيق شراكة اقتصادية مع دول المنطقة، حيث ستدعم الدول الثماني الكبرى إنشاء صناديق لتمويل التنمية، ومعالجة الفجوة الاقتصادية عن طريق إنشاء مؤسسة المال الدولية بدعم من الدول الكبرى، وكذلك تدشين بنك تنمية الشرق الأوسط لدعم وإصلاح وتطوير هيكلة المؤسسات المالية في المنطقة، ومساعدة دول المنطقة على الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، وتحسين التبادل التجاري بين مجموعة الثماني ودول المنطقة.

استبداد وإرهاب

وليس هناك أي شك في أن القراءة الأولى للمشروع الأمريكي تطرح عددًا من الملاحظات؛ أولها: أنها ركزت على العالم العربي، وبعض دول جنوب آسيا، وهي مناطق تعاني من الاستبداد والديكتاتورية والفساد والإرهاب، وأن كل الدول التي تشملها المبادرة دول إسلامية، وعلى هذه الدول إعادة رسم خريطة المنطقة لخدمة المصالح الأمريكية والمشروع الصهيوني.

الملاحظة الثانية تدور حول أهداف واشنطن من وراء طرحها للمبادرة:

وأولها: الوصول إلى موقف دولي يدعم مساعيها لخلق واقع جديد في منطقة الشرق العربي تحديدًا، ويقوم على معطيات محددة أهمها إقامة منطقة جديدة تتسيدها وتهيمن عليها إسرائيل، وخلق محور (إسرائيلي ـ تركي) لإحداث نوع من السيطرة الاستراتيجية على المنطقة ووصلها بالقارة الأوروبية لخلق واقع جيوستراتيجي جديد.

هيمنة

ثانيها: احتواء ما يطلق عليه بالإسلام السياسي، وذلك بضم كل من إيران وباكستان وأفغانستان لهذا المشروع، والذي يعتمد أساسًا على إصلاح العالم العربي سياسيًّا واقتصاديًّا وتعليميًّا وتنمويًّا، والسيطرة على الإرهاب الإسلامي.

ثالثها: جرجرة الدول الثمانية الصناعية الكبرى إلى مخطط واحد يعترف بالدور الأمريكي الجديد في المنطقة، بعد أن رفضت كل من فرنسا وروسيا وألمانيا دعم واشنطن لحربها على العراق.

رابعها: محاولة إقامة نظام لا يقوم على المنافسة الأوروبية الأمريكية في المنطقة العربية، وإنما خلق واقع جديد يقوم على مفاهيم ذات عناوين واحدة، مع ترك مساحة التفسير المتباين للولايات المتحدة وحلفائها.

أهداف انتخابية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت