فهرس الكتاب

الصفحة 14913 من 27364

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

إن أهل البدعة والضلال على مر تاريخ الإسلام لهم بحق من أكثر العوامل المشوهة للإسلام والمضلة لأهله ، لأن كثيراً من أبناء المسلمين يخدعهم زخرف القول لا سيما العامة منهم ، فهم لا ينظرون بعين البصير المدقق لكل دعوة وفرقة ناشئة ، بل يقتصر نظرهم وحكمهم على ما زخرفته الفرق من أقوال ، وكما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ( نحن قوم إذا انخدعنا بالله خدعنا ) ، فكل طائفة تلبس دعوتها نوع من الألبسة الإسلامية أو العلمية فإنها تروج على عموم المسلمين ، حتى يقيض الله لها من يكشف سترها ، ويعري حقيقتها ، ويبين للناس عن وجهها الكالح ، ليشموا نتن معتقدها ويلمسوا إلى أي مدى انحطت في دركات الضلال ، هذا ينطبق على أغلب الفرق الضالة التي تتخذ من الشبة منطلقاً لها ، أما الفرق التي ترتكز على الشهوات في إضلال الناس فهذه لا يحتاج الناس إلى من يكشف لهم عن هويتها فضلالها ظاهر لكل ذي عينين .

وبما أن مشكلتنا على مر التاريخ ولا زالت هي مشكلة أرباب الشبهات ، لذا لا بد من العمل الدائم لكشف شبههم وتفنيد آراءهم ، والقيام بذلك خير قيام كما قام به الأئمة الأعلام من قبل ، الذين تصدوا لكل نابتة خبيثة فاقتلعوها من جذورها ليرموا بها في مزبلة التاريخ .

ولقد ظهر في هذا العصر ثلة من المتعالمين ، الذين تلقوا أصولهم من أسلافهم المعتزلة والخوارج فبثوا ضلالاتهم على الناس ، وجادلوا منافحين عن باطلهم ، وهذا ليس غريباً فكل صاحب بدعة جلد لنشر بدعته ، ولكن الغريب فيهم أنهم رموا من تصدى لهم بما هم أحق به وأهله ، فكل من رد عليهم وألقمهم الحجر تلو الحجر تفنيداً لباطلهم ، لم يصنعوا لرد تكل الحجارة عن أفواههم إلا أن يرموا أهل الهدى بألقاب ومسميات لا يعلمون أصلها ولا حقيقتها ، فحينما أعيتهم الحجة فزعوا إلى غيرها وأطلقوا الألقاب على خصومهم ظناً منهم أن هذا سيجدي في رد الحق وإظهاره ، ولو تمعنوا في تاريخ أسلافهم المبتدعة لتيقنوا أن وصفهم لأهل السنة ( بالمشبهة و الحشوية و المجسمة ) وغيرها لم يرد الهدى والحق الذي عند أهل السنة ، لكن خلفهم لا زالوا يرددون ما ردده أسلافهم برمي أهل السنة بألقاب لم يعقلوا بعد معانيها .

ومن أهم تلك الألقاب التي طاروا بها كل مطير في هذه الأيام كلمة ( الحرورية ) ولا شك أنهم يعرفون ( الحرورية ) الأول ، ولكني على يقين أنهم لا يعرفون منهج ( الحرورية ) الأول ولا سبب ضلالهم ، وبياناً مني بأن اسم ( الحرورية ) هم أحق به وأهله أقول:

إن ( الحرورية ) فرقة ظهر أولها في عهد رسول ا صلى الله عليه وسلم ، وقويت شوكتها في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فخرجوا عليه ، فقتلهم شر قتلة وكان قتله لهم كرامة له بأن انطبق عليه حديث الرسو صلى الله عليه وسلم بأنه أولى الطائفتين بالحق ، وقد سموا ( الحرورية ) نسبة إلى حروراء بلدة على بعد ميلين من الكوفة كانت مركز خروجهم ، على علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

وسبب ضلالهم بأنهم ( قدموا العقل على النقل ) نعم هذا أصل ضلالهم ، والمتتبع لأحوالهم يعلم ذلك يقيناً ، فهم بذلك ردوا السنة الصحيحة لما قاسوها بعقولهم ، لذلك عرفهم ابن حجر وغيره بأنهم لا يعترفون بالسنة ، ومنشأ عدم اعترافهم بالسنة عقولهم ، فكفروا بالمعاصي بسبب عقولهم ، وكفروا علياً رضي الله عنه بعقولهم ، وقتلوا المسلمين ومستندهم عقولهم ، وكانت كل رزية يعملوا بها أو قول شنيع يأتوا به كان مرده عقولهم ، لذا عرفوا بهذه الصفة - أي عبادة الله بعقولهم - منذ خروجهم ، وقد فسر علي رضي الله عنه قوله تعالى ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ) قال أنتم يا أهل حروراء .

روى البخاري في صحيحه عن قتادة قال حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة أتجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت فقالت أحرورية أنت ( كنا نحيض مع صلى الله عليه وسلم فلا يأمرنا به أو قالت فلا نفعله ) .

وفي رواية مسلم أن معاذة هي التي سألت فقالت سألت عائشة .. الححديث وفيه .. ( فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة ) .

فانظر كيف قالت عائشة لمعاذة أحرورية أنت ؟ بسبب سؤال واحد فهمت منه أنها قدمت على النص عقلها فوصمتها بأنها حرورية ، ففهمت منها أنها تقصد أن قضاء الصلاة أهم من قضاء الصيام ، فبما أن الحائض أمرت بقضاء الصيام فمن باب أولى أن تؤمر بقضاء الصلاة لأنها فريضة أعظم من الصيام ، هذا ما يهدي العقل إليه حينما يقدم على النص ، فلما بدى الأمر وكأن معاذة تجاوزت النص إلى العقل ، قالت لها عائشة أحرورية أنت ؟ لأن التحكم بالنصوص أو ردها من منطلق عقلي هو من دأب الحرورية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت