الاثنين:18/03/2002
(الشبكة الإسلامية) جمال سلطان
للحداثة ألف وجه ومعنى وتصريف ، وكل طائفة ذات توجه إيديولوجي تحاول أن تدعي احتكارها لوصف الحداثة وفق قوالب خاصة أعدتها على مقاسها، ولكن الدلالة الأساسية غير الإيديولوجية لوصف الحداثة هي القدرة على التفاعل الإيجابي مع العصر الحديث ، والقدرة على التطور والعمل من خلال روح العصر الحديث وضروراته ، ووفق هذا الطرح البسيط والمباشر والبعيد عن ألاعيب المتغربين العرب وتفيهقهم ، يمكن أن نطرح السؤال المهم وهو: ما هو موقف الإسلاميين من الحداثة ؟ وهل يمكن أن نتصور الصحوة الإسلامية كحركة تحديثية ؟ السؤال طرحته مجلة"المنار الجديد"على الباحث والمفكر الفرنسي المعروف الدكتور"فرانسوا بورجا"، وهو خبير متخصص في الشأن الإسلامي ، وراصد جيد لتطورات الحركة الإسلامية والإحياء الإسلامي في العالم العربي ، وإن كان"بورجا"أكثر موضوعية وانفلاتا من التعصب والاستعلاء الأوربي المعهود في النظر إلى قضايا العالم الثالث ،"فرانسوا بورجا"رفض من حيث الابتداء النظرة الغربية ـ وأتباعها في بلادنا ـ التي تذهب إلى أن الحركة الإسلامية هي حركة ضد الحداثة ، ووصف هذا الرأي بأنه"سطحي ومتعجل"، وأكد"بورجا"على أن حركة الرفض الإسلامية للكثير من القيم الثقافية والاجتماعية الغربية التي أريد لها السيطرة على العالم الإسلامي إنما هي امتداد طبيعي لحركة النضال السياسي ضد التوسع الأوربي الاستعماري في المرحلة الماضية ، ويضيف بورجا: إن هذه العملية تندرج في إطار الديناميكية القومية أو توجه الهوية الذي ردت به المجتمعات في أطراف التوسع الأوربي الاستعماري على صدمة الهيمنة السياسية الأوربية بعد الاعتناق الثقافي لمبادئها التي ربطت بها في وقت من الأوقات كل أشكال التقدم ، وبعد عملية إضفاء الطابع الأثري على عالم رموز الثقافة الإسلامية والتي تفككت تحت وطأة تلك العملية " ، أي أن"بورجا"يقول إن رفض الحركة الإسلامية للقيم الثقافية الغربية ، يأتي في سياق الدفاع عن الهوية التي تعمدت قوى الاستعمار الأوربي استلابها وإخضاعها ، في عملية شملت محاولة تدمير معالم الثقافة الإسلامية وتحويلها إلى مجرد فولكلور وآثار من غابر التاريخ ،"بورجا"يضيف إشارة مهمة للغاية في هذا السياق ، وهي أن الإحياء الإسلامي هو في جوهره محاولة لتحقيق ما أسماه " الديناميكية المزدوجة " التي تبحث عن التحديث على أرضية التحرر ، ويضيف: إن عملية الابتعاد الرمزية عن بعض منتجات الحداثة الغربية والتي تظهر دائما كواجهة للتيار الإسلامي وتثير لدى خصومه أشد ردود الفعل حدة وألماً ، كانت في حد ذاتها الشرط اللازم لعملية إعادة الالتزام وإن بشكل انتقائي / نقدي بهذا التراث ، ثم ختم"بورجا"تعليقه على هذه المسألة بقوله: إنه إذا كان الفشل قد أصاب جزئيا عملية نقل كل ما له قيمة عالمية شاملة في تراث العصرية الغربية خلال أو في سياق الهجمة الاستعمارية ، فإن ذلك قد يعود إلى ضعف الرابطة بين تلك المنتجات العصرية وبين القيم الثقافية المحلية ، ويبدو لي أن القدرة الاستيعابية الإسلامية تعمل في هذه الآونة على إعادة كتابة أو رسم هذه المنتجات بألوان الثقافة الإسلامية المحلية " ، انتهى كلام"فرانسوا بورجا".
وفي الواقع فإن كلامه هذا لا يمثل أية إضافة بالنسبة لي كمتابع"عربي"للإنتاج الإسلامي الفكري والثقافي الذي نشر على مدى السنوات الماضية لعلماء ومفكرين ودعاة وقيادات إسلامية مختلفة ، ولكن كلام الرجل يمثل إضافة ، بل"سوطا"يفيق بعض المتغربين والمتطرفين من غلاة العلمانيين العرب من غفلتهم وسطحيتهم عندما يقيمون الإحياء الإسلامي أو يبحثون في مواقفه الفكرية والسياسية ، ويحاولون دمغ هذا الإحياء بأنه ضد العصر ، وأنه ضد التحديث ، وأنه توجه رجعي وضد التنوير ، ونحو ذلك من توصيف ساذج وسطحي بعيد عن أية قراءة علمية وموضوعية وعاقلة لخطاب هذا التيار التجديدي ، وتكون الفضيحة مؤلمة عندما يأتي هذا التقييم الموضوعي من باحث أجنبي ، غير مسلم وغير عربي ، ينظر إلى أبعد من السطح ، وينطلق من التحليل العلمي وليس من رد الفعل الانفعالي الغاضب على خصم فكري أو سياسي ، لينتهي إلى أن الحركة الإسلامية هي الحركة التحديثية الأصيلة في المجتمع العربي ، والتي تبحث عن التعايش والتفاعل مع العصر الجديد ، ولكن ليس وفق منطق التبعية والذوبان وإنما وفق الموقف النقدي الراشد الذي يأخذ أو يدع وفق حاجات مجتمعه الحقيقية ، ووفق نظامه القيمي والأخلاقي ، وتقديره هو ـ وليس الآخرين ـ لما يصلح للنهضة مما لا يصلح ، وإن زينوه بكل فنون الخداع المصطلحي .