فهرس الكتاب

الصفحة 14013 من 27364

النظام السياسي الذي يحقق النسبة الأكبر من المشاركة السياسية الشعبية ويحفظ حريات الرأي والتعبير وفقًا لأطر القانونية . وهذا بالضبط أحد المداخل التي حاول تيار ما بعد الحداثة أن ينظر من خلالها إلى الديمقراطية محاولاً وبشكلٍ دائم نزع الهالة القدسية والصنمية التي تشكلت حول المفهوم من أجل تجديد القول الدائم فيه.

أما المدخل الذي أحاول من خلاله النظر إلى علاقة الإسلام مع الديمقراطية راغباً من خلاله إعادة النظر في هذه العلاقة فهو المدخل القائم والمؤسس على الانثربولوجيا الاجتماعية ، ويجب أن أسجل بداية مديونيتي المعرفية في ذلك إلى الانثربولوجي الباكستاني المعروف طلال أسد أستاذ البحوث الاجتماعية في مدرسة نيويورك الذي فتح لي آفاقاً في النظر إلى الحداثة وهيئاتها المؤسِّسة لها كالليبرالية والعلمانية والعقلانية وغيرها، وقد حاول دائماً النظر إلى هذه المفاهيم وفق صيروراتها التاريخية وضمن حواملها الاجتماعية ، حيث تشكل فكرة (غياب التناظر) التي بلورها بين المجتمعات الغربية وغير الغربية نواة مشروعه النقدي كما نرى ذلك واضحاً في كتابه (جينيالوجيات الدين) .

الابتكار المفارق للحداثة

يعتبر ميشيل فوكو أن الحداثة حالة قائمة ، فهي وفقاً لذلك ليست مرحلة من مراحل التاريخ ، وعندها لا تغدو الحداثة بمثابة الحلم الذي يلهث وراءه الجميع من أجل جعله واقعاً، وليست مشروطة بتاريخ خاص بها ، بل إن هناك سياقات مختلفة ومتعددة توصل جميعها إلى الحداثة ، فالحداثة ليست مشروعاً ناجزاً حكراً على الغرب ، إنها ما يحققه صُبوّ المجتمعات إلى التغيير والانخراط في مشروع النهضة والتنمية .

لذلك فالسؤال الذي يجب أن تطرحه المجتمعات على نفسها باستمرار كما يرى جان فرانسوا ليوتار هو كيف نشأت الحداثة؟ وهل في الإمكان خلق نموذج خاص بالحداثة في كل مجتمع؟.

إن البديل الذي يجب أن تطرحه المجتمعات هو الابتكار المفارق للحداثة لا عن طريق الانزواء والانغلاق أو التماثل والتوحد ، بل إعادة صياغة الفوارق ، ولكن دون الحاجة إلى جعلها شرطاً مسبقاً ، ولذلك تبدو ثنائية

الإسلام والديمقراطية لا تاريخية ، عندما تحاول تأبيد الفوارق أو عندما تسعى إلى إماهة الاختلافات وإلغائها .

إن السؤال الذي يجب أن تطرحه المجتمعات العربية والإسلامية على نفسها هو قدرتها على ابتكار نموذجٍ للديمقراطية منسجم مع سياقاتها التاريخية والاجتماعية من أجل تحقيق حراك سياسي واجتماعي يفسح المجال لمشاركة أوسع وأكثر عمقاً بين الشرائح والفئات المختلفة، لكن دون الوقوف أبداً عند انغلاق المجتمعات على نفسها وإنما بالانخراط في مشروع النهضة المستديمة والمتكاملة، بل إن نموذج الديمقراطية البديل المنسجم مع الإرث التاريخي العربي والإسلامي لن يتم اختراعه أو تطويره إلا من خلال البناء على نموذج الديمقراطية القائم الذي يفسح المجال لصيرورة تاريخية خلاقة .

إن التجربة الديمقراطية في البلاد العربية كشفت عن تحويل هذه الممارسة من مسألة سياسية مدنية إلى ترتيبات واختلافات عشائرية وقبلية وطائفية ما قبل مدنية ، فكيف يمكن لنا النظر في الديمقراطية في شرطها التاريخي

ولكن في تحققها الأتم عندما يتم بناء نموذج الديمقراطية وفقاً للخطوط الحضارية التي شكلت تضاريس المنطقة العربية الإسلامية .

ـــــــــــ

(1) من المهم تَذَكر أن التراث الإسلامي يأتي غالبًا أو دائمًا على ذكر (الفتنة) في سياق عدم الشرعية ؛ بل إن تسميتها"فتنة"أبرز دليل على ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت