فهرس الكتاب

الصفحة 14012 من 27364

ومن غير شك فإن نظرية الانسجام هذه قد نشأت مع بداية احتكاك الإسلام كرقعة جغرافية مع الغرب الحديث ، فأعادت النخبة العربية والإسلامية التفكير في تراثها القديم وفق المنطق الحديث ، عندها نشأ ما يسمى القدرة على الانسجام أو التوافق ، إذ هي مجملاً تدخل في خانة رد الفعل المطلوب احتواؤه والإجابة على سؤاله التاريخي الملحّ .

وإذا كان سؤال الإسلام والديمقراطية عربياً قد تأخر ظهوره بعض الشيء بحكم كون سؤال الديمقراطية نفسه كان مغيباً ، فإن الإجابة عنه تكفل بها الكثيرون ومن مختلف الاتجاهات ، بدءاً بالمستشرقين والغربيين الذين داروا في فلك نفي الديمقراطية عن الإسلام ذلك أنه دين ثيوقراطي وليس زمنيًا وهذا ما يتنافى قطعاً مع الديمقراطية التي لا تنمو إلا في مناخ علماني ، ومروراً بالمثقفين العرب من ذوي الاتجاهات المتغايرة ؛

-فمنهم من عزف على الوتر السابق نفسه كصادق جلال العظم الذي يرى تحقق القطيعة الكاملة بين الإسلام والديمقراطية .

-وآخرون أسلموا الديمقراطية إذ هي شقيقة الشورى وتنبع الاثنتان من مشكاة واحدة وأطلقوا مصطلح (الشورقراطية) ليدل على ذلك كما فعل توفيق الشاوي .

-والقليل حاول أن يقرأ السياق التاريخي والاجتماعي للديمقراطية ليرى تحققاتها الممكنة مع الإسلام واختراقاتها الممتنعة عنه .

علاقة الإسلام بالديمقراطية:

لا بد أن نسجل بداية أن الكلام الكثير حول علاقة الإسلام بالديمقراطية غير مجدٍ ، خاصة عند الانهماك في البحث عن أصول شرعية للديمقراطية ، ذلك أن الحوار حول الديمقراطية يتحول - عندئذ - من مناقشة الوسائل الأكثر فاعلية لزيادة المشاركة الشعبية إلى جدالات حول شرعية استيراد مؤسسات سياسية أجنبية ، لذلك فعلينا أن نرفض مقولة بعض الغربيين (ويتطابق معهم فيها بعض الإسلاميين) التي تتعلق باستحالة الديمقراطية الإسلامية ؛ بحجة أن مفهوم سيادة الشعب يتعارض مع سيادة الله ، ذلك أن السياق الاجتماعي السياسي هو الكفيل بالإجابة عن سؤال الانسجام بين الإسلام والديمقراطية ، والتراث يُظهر وجود بعض الأفكار المنسجمة تماماً مع غاية الديمقراطية وعلى رأسها المعارضة كما يرى ذلك جون اسبوزيتو وجون فول في كتابهما المشترك (الإسلام والديمقراطية) ؛ فالمعارضة هنا هي التي تسمح بوجود نوع من الاختلاف المسموح به ، ويمكن اعتبار مصطلح الفتنة بمثابة الموضّح للكثير من مفاهيم حرية التعبير والاختلاف والمعارضة في الإسلام (1) ، إذ يتمتع هذا المفهوم بغنى تراثي كبير ويكمن خلفه معظم الحوارات حول حقوق المعارضة في المجتمعات المسلمة .

تجديد النظر في الديمقراطية:

إضافة إلى ذلك أرغب في تجاوز المنطق السياسي الذي يحكم على الكثير من الممارسات وفقاً لعلاقتها وصلتها بالديمقراطية ، فمحمد عابد الجابري قرأ المشروع النهضوي العربي وبحث عن مكمن العلة القائم في غياب الديمقراطية ، وحيدر إبراهيم علي درس الحركات الإسلامية المعاصرة وبحث في خطابها ومدى قدرتها على الإيمان بالديمقراطية كوسيلة أساسية في الممارسة السياسية .

ورغم أهمية ذلك كله وضرورته فإني أرغب في التقدم خطوة أخرى في النظر إلى الديمقراطية ، وذلك بناء على الأطروحات التي قدمها تيار ما بعد الحداثة وخاصة جان بودريار وفريدريك جيمسون الذين قدموا نقداً للديمقراطية وطلبوا إعادة النظر فيها بناءً على تجلياتها السياسية . فمثلاً لدى النظر في علاقة الديمقراطية مع الأقليات نلحظ اتجاهين سائدين كلاهما ينحو المنحى الأقصى في التعامل مع الأقليات، فالديمقراطية القائمة

في"الكيان الإسرائيلي"مثلاً تفسح المجال للأقليات لكي تمثل في البرلمان ولتشكل قوة ضغط وابتزاز للحكومة أقوى من حجمها الطبيعي ووجودها الفعلي كحزب شاس مثلاً، ذلك أن التشكيل الحكومي الذي يعتمد مبدأ الأغلبية يفرض نوعاً من التوازن بين غالبية الأقليات الموجودة في المجتمع، إلا أن بعض الأقليات قد يلعب دوراً أكبر من حجمه عندما تعمل على خط الابتزاز السياسي، وتمتلك عندها الأقلية القدرة على تغليب أحد الأطراف السياسية على الأخرى ، هنا نلحظ دوراً متضخماً للأقليات في النظام الديمقراطي، مقابل ذلك نلحظ في النظام الديمقراطي الأمريكي الذي أثبتت الانتخابات الأخيرة ضرورة العمل على تجديده إلغاءً متزايداً وتهميشاً واضحاً للأقليات عندما يصبح النظام السياسي قائماً على الحزب الحاصل على الأغلبية ، ولا تستطيع الأقليات عندها أن تمارس تأثيرها إلا من خلال اندماجها في أحد الأحزاب القائمة.

هاتان الحالتان تكشفان عن الثغرات التي تمارسها الديمقراطية بالنسبة للأقليات سواءً بالنسبة لتضخيم دورها أو تقزيم وجودها، وهذا ما قصدته بضروة تجديد النظر في الديمقراطية بحيث نعمل دائماً على الوصول إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت