حسام شاكر
كان يمكن لفضائية"الحرّة"أن تحمل في واقع الأمر أيّ اسم آخر - باستثناء هذا الاسم تقريباً - الذي يبرهن على فجوات هائلة في الخطاب الإعلامي الأمريكي الراهن.
إذا ما تعلق الأمر بالسياسة الأمريكية نحو الشرق الأوسط؛ فإنّ سوق المصطلحات التي تروجها إدارة الرئيس جورج بوش تحفل بما يشدّ الانتباه ويدغدغ الآمال في العالم العربي: الحرية والديمقراطية، وشيء من حقوق الإنسان.
وبينما تنهمك إدارة بوش في مشروعها لدمقرطة العالم العربي، وغرس الحرية فيه على طريقتها الخاصة تماماً؛ فإنها عمدت إلى تدشين محطتها للتلفزة الفضائية الموجهة لاستلاب اهتمام مئات الملايين من المشاهدين العرب، وتحت اسم ينبع من الخطاب السياسي لبوش نحو الشرق الأوسط: إنها الفضائية"الحرّة".
في طريق الإعلام الموجه:
هذه المرة أيضاً اختارت واشنطن اسماً بديعاً، يبدو امتداداً للإعلام الأمريكي الموجه، كإذاعة"أوروبا الحرة/ راديو الحرية"، التي وُجِّهت إبان الحرب الباردة من جنوب ألمانيا الغربية نحو المستمعين في العالم الاشتراكي، وكنماذج الإذاعات الأمريكية الناشئة في ما بعد، كتلك الفارسية الموجهة للإيرانيين في ظل الجمهورية الإسلامية، أو العراقيين الذين كان ينبغي تهيئتهم إذاعياً عبر الأثير لحقبة الاحتلال الراهن، من خلال صوت"العراق الحرّ".
لم تفكر الولايات المتحدة حتى الآن في خيارات أخرى، من قبيل إرسال موجه لفلسطين، لحث الفلسطينيين على مواصلة انتزاع حريتهم من بين أنياب حالة احتلالية مزمنة، وإن كان التوجه الأمريكي الراهن يضع ضمن أولوياته شرق الأوسطية؛ تحريض الفلسطينيين على قيادات السلطة الرسمية المتهمة بـ"الفساد"و"عدم الديمقراطية"، وتأليبهم على خط المقاومة الذي يحظى بالتفاف شعبي كونه"إرهاباً"في المفهوم الأمريكي الراهن.
كان يمكن لفضائية"الحرّة"أن تحمل في واقع الأمر أيّ اسم آخر، باستثناء هذا الاسم تقريباً، الذي يبرهن على فجوات هائلة في الخطاب الإعلامي الأمريكي الراهن، فثمة هالة من الشكوك يمكن أن تحيط بأية وسيلة إعلامية اتُخذ القرار بشأن قيامها وطبيعة أدائها في دوائر حكومية، وتقع تحت إشراف سلطة تابعة لوزارة الخارجية الأمريكية، بينما يتم تمويلها عبر مخصصات الكونغرس، الذي لا يتوانى في ما يتعلق بالمسائل شرق الأوسطية عن التناهي مع الرؤية العبرية في تل أبيب.
وقد بدت الصفة الرسمية لهذه المحطة الجديدة طاغية عندما كان رئيس الولايات المتحدة هو ضيفها الأول، الذي"يتكرّم"عليها بحديث خاص بثّته على يومين، الرابع عشر والخامس عشر من شباط (فبراير) ، مع تركيز شديد للاهتمام على تصريحاته لها، ضمن ما يشبه الطقوس الإعلامية لمحطات التلفزة العربية التقليدية، التي انصرف عنها المشاهدون إلى غير رجعة.
نجاحات قد تقود إلي الفشل!
العظة التي لم يستلهمها صانعوا القرار الإعلامي في واشنطن هو أنّ النجاحات السابقة تغري بارتكاب أخطاء وخوض مجازفات بثقة زائدة عن الحد، فكثيراً ما سعت الولايات المتحدة في السنوات القليلة الماضية إلى أن تعيد مع العرب والمسلمين إنتاج تجربتها في الإعلام الموجه في أوروبا في ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي حقبة الحرب الباردة.
ففي ألمانيا المهزومة قامت سلطة الاحتلال الأمريكية في ما بعد سنة 1945م كما فعلت في أجزاء النمسا المحتلة أمريكياً؛ إلى إعادة تخطيط الساحة الإعلامية، على أمل تشكيل الرأي العام الألماني على أسس جديدة كلياً، وفي واقع الأمر نجح المسؤولون الأمريكيون في هذا المسعى إلى حد كبير، وكان من إنجازاتهم تأسيس صحف وتسليمها تدريجياً إلى طواقم محلية، لتتابع المسيرة ضمن مسار وطابع يتفق مع الرؤى والمطالب الأمريكية، حتى مع استقطابها لأقلام ومحررين من بقايا العهد النازي طالما أنه لم يكن من ذلك بد، لتبقى هذه الصحف قائمة في معظمها حتى اليوم، مشكلة قصة نجاح أمريكية سيُصار إلى محاولة إعادة إنتاجها في بؤر مأزومة أخرى.
كان ذلك في واقع الأمر طليعة برنامج أمريكي واسع النطاق عُرف باسم"إعادة التربية"للألمان ومن والاهم، وقد تجسّد ذلك في تركيز المؤثرات الأمريكية على المجالات الثقافية والتعليمية، فضلاً عن إعادة تصميم الإعلام والسياسة والاقتصاد، كما وجد ترجمة واضحة له في ثنايا"خطة مارشال"الأمريكية لإعادة إعمار أوروبا الغربية بعد الحرب.
ثم أخذ المسؤولون الأمريكيون في السنوات الأخيرة يكثرون من استعادة هذه التجارب، مشددين على أهميتها في التعامل مع العالم العربي والإسلامي باتجاه تحقيق التغيير الذي يبشر به بوش، والذي يجري اختزاله في كلمات معدودة يصعب تحمل تأويلات لا حدود لها، وفي الأشهر الأولى لاحتلال العراق كان يجري على ألسنة المتحدثين في إدارة بوش التغني بتجربة الولايات المتحدة مع ألمانيا واليابان، وهي التجربة التي كان لها مسار إعلامي أيضاً، باعتبارها ستكون الوصفة الناجعة في العراق المحتل أيضاً، وهو أمر بات المتحدثون أنفسهم يتحاشون التطرق إليه لاحقاً مع الانغماس المتزايد في المستنقع العراقي.