مع هذا التوجه الأمريكي متعدد المسارات؛ أصبح بالإمكان توفير مخصصات مالية سخية من الكونغرس لصالح برامج الإعلام الخارجي في وزارة كولن باول، ففي ظل التهيئة للهيمنة العسكرية الأمريكية على أفغانستان تم إطلاق بث إذاعي موجه للمستمعين الأفغان في عهد طالبان عندما كانت الإذاعة ولا زالت إلى حد ما هي وسيلة التواصل الأولى وشبه الأخيرة بين الأفغان والعالم، خاصة مع إلغاء طالبان للبث التلفزي بما كان هدية مجانية للغزاة المحدقين بالبلاد.
وقد تزامن ذلك مع إلقاء أجهزة الاستقبال الإذاعي من الطائرات العسكرية الأمريكية بكميات سخية على مناطق تجمع الأفغان إبان تلك الحرب، لربطهم مع ما يقوله مذيعوا أمريكا، إلى جانب استقبال بث"بي بي سي"المرغوب محلياً، كما جرى قبيل مرحلة التحول التي شهدتها أفغانستان إعداد كوادر إعلامية أفغانية في واشنطن - مع التركيز على النساء - وكان من السهولة استقطاب بعض المنتمين والمنتميات إلى الطبقة الإعلامية والثقافية المرتبطة سابقاً بالغزو السوفياتي لأفغانستان، أو من يمكن تسميتهم بـ"أفغان موسكو"، الذين باتوا اليوم مع آخرين"أفغان واشنطن"باستحقاق.
كان ذلك يجري بينما مضت"إذاعة الحرية"الأمريكية في توجيه برامجها انطلاقاً من براغ بالفارسية والعربية، في إرسالين موجّهين نحو الإيرانيين والعراقيين.
التجارب الموجهة للعالم العربي:
لكن المجهود الإعلامي الأمريكي الموجه نحو الجماهير العربية أخذ بالتطور والتبلور بصورة لافتة للانتباه، بصورة تتماشى مع تصاعد المجهود الحربي الأمريكي في المنطقة، وقد تم ذلك مع عناية أكبر بمخاطبة الفئات والشرائح بصورة أكثر تحديداً وانتقاء، تجلى ذلك في حالة إذاعة"سوا"الموجهة للشباب العربي، وهي تجربة إذاعية تقوم على خلط منوعات غنائية وموسيقية غربية بأخرى عربية، مع حشوها بصورة متقنة بالرواية الأمريكية لأحداث المنطقة والعالم المتمثلة في نشرة إخبارية رشيقة مقتبسة من إذاعة"صوت أمريكا"بالعربية.
على التوازي من ذلك، وبصورة يصعب تصوّر براءتها من التساوق مع النهج الحكومي الأمريكي؛ دأبت وسائل إعلام أمريكية بارزة بالتعاقد مع وكلاء في المنطقة على استصدار نسخ عربية منها، بشكل مثير للشفقة أحياناً، فعلى صعيد الإعلام المطبوع؛ يمكن الإشارة إلى نموذج مجلة"نيوزويك"العربية التي تصدر من الكويت عن"دار الوطن"كل ثلاثاء.
تعيد حالة"نيوزويك"هذه إلى الذاكرة تجربة مجلة"المختار للقراءة"التي نقلت إلى العربية، كما إلى العديد من اللغات الأخرى؛ عن النسخة الأم الأمريكية ذات التوجه الليبرالي، لكنّ"نيوزويك"المسيّسة بطبيعتها كان عليها أن تُدخل من يقومون بإصدارها للقراء العرب في مواقف لا يُحسدون عليها، مثل الأزمة التي تسببت فيها قبل أكثر من سنة عندما نشرت تقريراً لصحافي يهودي يسيء إلى أحد جدران المسجد الأقصى المبارك بوصفه"الجدار الملعون"، ويؤكد ادعاءات الاحتلال ومجموعاته الشوفينية في المسجد الأقصى بصورة فاضحة، وهو انتهاك يمثل في جوهره مخالفة لتنظيم المطبوعات الكويتي، لكن العدد خرج إلى الأسواق بلا مشكلات، كما خرج غيره مما يحمل مساساً بالشعائر الإسلامية.
حالة"نيوزويك"العربية التي بقيت مجلة مغمورة لم يكترث بها القراء العرب؛ بوسعها أن تُفهم المراقبين أسباب إخفاق التجارب الشبيهة القائمة على تعريب المضامين الإعلامية الأمريكية بما يشبه الترجمة الحرفية، ومن الواضح أنّ تجارب"سي إن إن العربية"، و"سي إن بي سي عربية"ليست ببعيدة على هذا المشهد، بينما تأتي فضائية"الحرّة"بلا مواربة؛ في محاولة النفاذ بقوة إلى قلب التشكيلة الإعلامية الجديدة الخاصة بالعرب، التي لم يعد زمام الأمر المباشر فيها مرتبطاً بمراكز صنع القرار الدولي، وللمرة الأولى في التاريخ الإعلامي العربي الحديث.
إنها الفضائيات العربية التي بدأت منذ أواسط التسعينيات في الخروج من قمقم السيطرة الحكومية على الإعلام التلفزي؛ هي التي أعادت قلب المشهد الإعلامي في المنطقة، فوجد العرب أنفسهم وبصورة لافتة الانتباه على موعد مع"الرأي والرأي الآخر"، وأصبح بالإمكان إدراك وجود شيء اسمه"الاتجاه المعاكس"أو الاعتراف بأنّ هناك"أكثر من رأي"وحوار"بلا حدود"، لم ينحصر الأمر في"ظاهرة الجزيرة"، بل تعداه إلى جزر هنا وهناك أخذت تطفو على سطح المشهد الإعلامي في المنطقة المأزومة، المشهد ذاته الذي يعاني من تكامل مذهل بين حالتي الإغراق الإعلامي الرسمي الممل، والتدفق الإعلامي الغربي أحادي الاتجاه، وبهذا أمكن توافر نجاح موضوعي هائل لأية تجربة بث بوسعها أن تتحرك في هذا الفضاء على أسس مهنية سليمة.
خصوصية الحالة العربية: