بحث مقدم من الطالب
محمد حسن يوسف
مادة التكامل الاقتصادي في العالم الإسلامي
الأستاذ الدكتور/ رفعت العوضي
يناير 2007
إعداد: محمد حسن يوسف
بدأ الحضور المتنامي للظاهرة الدينية في المجتمعات المعاصرة يتجه لكي يصبح اتجاها كونيا، بما في ذلك الدوائر الحضارية للديانات الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام. وفي هذا الإطار، يمكننا فهم مقولة الأديب الفرنسي أندريه مالرو:"سيكون القرن الواحد والعشرين دينيا أو لن يكون".1
فبعد ما يربو عن قرنين من الزمان، تجد الدولة العلمانية نفسها وهي تحكم مجتمعا يتدين بتصاعد كما كشفت عن ذلك الاستطلاعات والدراسات المتعددة، وهذه مفارقة مقلقة جدا للدولة العلمانية، أثارها أكثر من مفكر ومحلل سياسي ورجل دين، خاصة في المناقشات الدائرة اليوم حول منع العلامات الدينية من الظهور في المدارس والمؤسسات العمومية، فكيف يقبل ويعقل أن يكون المجتمع غير علماني، بل متدينا، في حين أن دولته علمانية بنص الدستور. أما أعضاء الحكومة فيقفون في منزلة بين المنزلتين: بين المجتمع المتدين والدولة غير المتدينة ... ومن المسلم به في الحداثة المعاصرة أن فرنسا هي رائدة فصل الدين عن السياسة منذ ثورتها الشهيرة عام 1789، حيث صاحت الأصوات مرددة بحماس وقوة:"اشنقوا آخر الملوك بأمعاء آخر قسيس"، وفي تلك الأجواء الحامية ظهرت الدولة العلمانية وتطورت ونمت حتى فصلت في الجو المشحون بين الدين والدولة جاعلة ما لله وما لقيصر لقيصر، وتوج ذلك في قانون عام 1905.2
لقد كان طغيان الكنيسة الكاثوليكية في المجالين الديني والدنيوي معا هو المحرك الأساسي لاحتدام الصراع بينها وبين أصحاب السلطة من الأمراء والملوك وأصحاب النفوذ والتطلع الفكري من العلماء والأدباء والفلاسفة.3 ولذلك أخذ هذا الصراع صورة صراع بين طبقة وطبقة، أو سلطة وسلطة. وعلى أساس من الفصل بين الكنيسة والحكومة، حدّد الغربيون معنى الدين، فأرادوا به التوجيه الروحي للأفراد، كما حددوا معنى الدولة والحكومة، فقصدوا بها تنظيم العلاقات بين الأفراد.4 وظل هذا الفصل قائما دون المساس بالدين، إلى أن أصبحت مع القرن التاسع عشر ثورة على الدين كله بوجه عام، ودعوة صريحة تنادي بعدم حاجة الإنسان إلى وجود إله، وبالتالي فلا ضرورة ولا أهمية للدين في النشاط الإنساني.5
بل نكاد نجزم أنه على الرغم من كل هذا الغلو الإلحادي، إلا أنه لم يستطع أن ينزع الدين من حياة الناس. فالدين أمر فطري فطر الله الناس عليه، بل حتى السياسة لم تستغن عن الدين، ولن تستغنى عن الدين، والفصل التام بينهما يكاد يكون مستحيلا. يقول الزعيم الكبير المهاتما غاندي:"لكي يرى الإنسان روح الحق الكبرى التي تخلل كل شيء وجها لوجه، يجب أن يكون في قدرته أن يحب أدنأ صور الخليقة كما يحب نفسه. والرجل الذي يتطلع إلى ذلك لا قبل له بأن ينعزل عن أي ميدان من ميادين الحياة، وهذا هو السبب الذي من أجله دفعني حبي للصدق والحق إلى ميدان السياسة. وأستطيع أن أقول دون تردد، وفي الوقت نفسه بكل ذل وخضوع: إن الذين يقولون إن الدين لا علاقة له بالسياسة لا يعرفون معنى الدين".
فهذا الزعيم الكبير ذائع الصيت، والسياسي النادر الوجود، يرى أن طهارة النفس ضرورية لكل عمل إنساني، وبصفة خاصة لرجل السياسة الذي يدير شئون البلاد والعباد. والنفس البشرية لا تتطهر إلا إذا عرفت الله تعالى حق المعرفة وآمنت به، ومن هنا يمكن أن ندرك قوله:"إن الذين يقولون إن الدين لا علاقة له بالسياسة لا يعرفون معنى الدين".
والدليل على ذلك: أنه حتى في الموطن الأصلي للعلمانية في مرحلتها الأولى والثانية، انجلترا وألمانيا وفرنسا، لم يستطع أحد أن ينحي الدين عن الحياة:
* فالتاج البريطاني لم يزل حاميا للبروتستانتية - والملكة هي رئيسة الكنيسة فيها -
* وفرنسا لم تزل حامية للكثلكة في صورة علمية
* والدولة في انجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا - رغم إعلان أنها علمانية - تساعد المدارس الدينية من ضرائبها الخاصة التي تجبيها من المواطنين، مع علمها باستقلال هذه المدارس في برامجها التعليمية.
* ولا يستطيع أحد أن يقول: إن نفوذ الكنيسة الكاثوليكية قد تلاشى في أوربا، بل كانت كلمة البابا ولا تزال تسمع بعناية واحترام، لا في الشئون الدينية فحسب، بل حتى في الشئون السياسية. بل إن البابا السابق يعد من أنشط البابوات في التدخل في القضايا السياسية، ولا ينكر أحد دوره الخطير في تقويض العالم الشيوعي بأكمله، وذلك بتضامنه مع حركة التضامن البولندية - موطنه الأصلي - التي هب العمال فيها العمال هبتهم الكبرى ضد النظرية الشيوعية وضد النظام الشيوعي بكامله.
أليس هذا دليلا على تأثير الدين في حياة الإنسان؟6
وبالنظر إلى ما يحدث من تطورات في عالم اليوم، نجد جنوح العالم إلى الدين بشكل لافت للنظر، على النحو التالي7:
* امتدادات لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية