فهرس الكتاب

الصفحة 14055 من 27364

* بروز ظاهرة الديمقراطيات المسيحية التي تمكنت من احتلال مواقع متقدمة في هرم السلطة في الكثير من الدول الأوربية المتقدمة

* الاتساع الملحوظ للقاعدة الاجتماعية للكاثوليكية، لاسيما في صفوف الشباب

* السياسة الأمريكية الحالية

* الديانات الجديدة في آسيا، لاسيما اليابان، التي تعيش أشكالا تجديدية للكونفوشيوسية والبوذية في هذا السياق، لم تكن تصريحات الرئيس بوش في اللقاء الذي جمعه في البيت الأبيض بكتاب وصحفيين محافظين، والذي اعتبر فيها أن الولايات المتحدة تشهد الصحوة الدينية الثالثة في تاريخها، وأن المناخ الثقافي العلماني الذي كان سائدا في الولايات المتحدة في الخمسينات والستينات قد ولى، هي المؤشر الوحيد على التغيرات الثقافية التي يمر بها المجتمع الأمريكي منذ سبعينات القرن العشرين وحتى الآن، والتي يحلو للبعض أن يطلق على هذه الحالة إجمالا واختزالا"عودة أمريكا إلى ربها".8

قد يوافق معظم الأمريكيين على أنهم يعيشون في مجتمع علماني secula صلى الله عليه وسلم ولكننا نشهد اليوم حرباً مشتعلة بين فكرتين مختلفتين عن معنى كون المرء علمانياً. فكلما انطلق المرء باحثاً عن البسيط والواضح في التاريخ الأمريكي، وجد نفسه، بعد وقت قصير، وجهاً لوجه أمام كمٍّ هائل من المفارقات. ولا أكبر من هذه المفارقة: إن الدولة الرائدة - عالمياً - في الإبداعين التكنولوجي والاجتماعي، هي، في الوقت نفسه، الحصن الأساس - عالمياً - للإيمان الديني وممارسته. وقد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية الحفاظ على مستويات عالية من الإيمان الديني التقليدي والارتباط به، حتى وهي تتهادى في مياه الحداثة mode r nity الصافية السريعة.9

وبالفعل، يوجد شعور متنامٍ بأن الدين قد يكون قوة حيوية دافعة للكرامة الإنسانية والنظام الأخلاقي في عالم تهيمن عليه بيروقراطيات الدولة الشرهة والشركات العابرة للقارات التي تنتشر باستمرار ولا تخضع خضوعاً فاعلاً للقانون القومي أو تُسأل مسائلة فاعلة أمام سنن السلوك الراسخة. فكما يحاجج عالم الاجتماع هوزيه كازانوفا، تُخاطر الحداثة بإمكانية"أن يلتهمها المنطق غير الإنساني المتصلِّب الذي خلقته بنفسها"، إلا إذا استعادت"حواراً خلاّقاً"مع التقاليد الدينية التي تحدتها بنجاح كبير. وتوجد، حتى في الولايات المتحدة الأمريكية، أدلة وافرة على أن المعتقدات والممارسات الدينية قد صمدت، جماهيرياً وبقوة، أمام كل محاولات طمسها أو تجاوزها وأنها الآن صاعدة.10

وبعض الأمور لم تتغير أبداً، رغم نجاحات العلمانية المذهلة في المحاكم والأروقة الحكومية والأكاديمية. فلا يزال النطق بالصلوات مألوفاً عند افتتاح دورات الكونغرس، ويظهر اسم الله على أوراق النقد، ويُنطق في القسم الذي نقسمه في المحاكم. ولا يزال الكونغرس والقوات المسلحة يوظفون القساوسة. ولا تزال المؤسسات الدينية تتمتع بوضع قانوني يعفي المتبرعين لها من الضرائب. ولا يزال الإيمان المُعلن بالله طاغياً بشكل مذهل، كما لا يزال معدَّل ارتياد الكنائس المسيحية والمعابد الدينية اليهودية عالياً، في الأقل نسبة إلى معدَّله في بلدان غربية أخرى. وسواء نظر المرء إلى هذه الظواهر موافقاً أو غير موافق، فإن أمريكا ما زالت بلداً غير علماني كلياً، بلداً خالياً من أي جزاء حكومي على الدين.11

وكما أن للدين أثر في الحياة الاجتماعية، فإن للدين أثر كذلك في الحياة السياسية، كغيره من العوامل الأخرى التي تؤثر في السلوك السياسي للأفراد كالطبقة الاجتماعية، والعرق، والمنطقة الجغرافية، والآراء حول السياسة الخارجية. كل هذه العوامل لها دور في تحديد السلوك السياسي للناخبين. ولكن التأثير الذي يحدثه كل عامل يختلف عن غيره من حيث الأهمية والامتداد.12

وعن القرارات السياسية أيضا: فقد غرقت الأصولية الإنجيلية الأمريكية حتى أذنيها في المشروع الصهيوني"باعتباره تجسيدا للإرادة الإلهية. واعتمد المنطق اللاهوتي لقساوسة هذه الحركة على مبدأ أساسي، تحدد فيما يلي:"إن أرض فلسطين هي الأرض المقدسة، لأن الله جعل هذه الأرض ملكا لشعب مميّز من ذرية داود. ولذلك فإن كل من يحاول فصل شعبها عنها يتعرض لعقاب إلهي". وقد وجد قساوسة هذه الحركة في احتلال إسرائيل للقدس علامة بارزة من العلامات الممهدة للعودة الثانية للمسيح. ولذلك قال كل من القس بيلي غراهام والقس نلسون بال:"إن سيطرة اليهود على القدس، لأول مرة منذ ألفي عام، يثير في نفس دارس الإنجيل قشعريرة روحانية ويجدد إيمانه بصحة وبصدقية كل ما ورد فيه"."

لم تقتصر هذه المشاعر على القساوسة فقط، ولكنها غمرت سياسيين أيضا، بمن فيهم بعض رؤساء الولايات المتحدة. ولعل الرئيس رونالد ريجان كان من أكثر الرؤساء الأمريكيين إيمانا والتزاما بعقيدة الصهيونية المسيحية. وكان يؤمن بنظرية هرمجيدون، وكان يقول:"إننا الجيل الذي سيرى هرمجيدون". ولذلك فإن فترة رئاسته اُعتبرت الفترة الذهبية للصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت