فهرس الكتاب

الصفحة 23632 من 27364

اخشى أن نصبح مطالبين وسط هذا القدر الهائل من الانحطاط الشامل ، للبرهنة على أن سوريا اليوم لاتتلخص بالإخوان المسلمين والأخوات القبيسيات،بل أنها وطن واسع المدى،كان حتى الأمس القريب مضرب الأمثال، في تنوعه الثقافي والفكري والسياسي والديني والاثني. إن حقيقة أن سوريا كانت منارة ليست بحاجة إلى أي برهان، ولا أعتقد أن ذلك يستدعي لأن أعيد إلى الأذهان، سرد السجل العطر لرجالات النهضة السوريين الذي كانوا رواد حداثة وتنوير، في زمن كان فيه الظلام يطبق على العالم العربي.من عبد الرحمن الكواكبي، ورفيق العظم، وعبد الله الطنطاوي، وكامل القصاب، وحتى الشاعر ومؤسس أول معهد موسيقي في دمشق فخري البارودي، صاحب النشيد المعروف"بلاد العرب أوطاني".

بقيت سوريا تتفرد بمكانتها التاريخية،وموقعها الجغرافي ،وتشكل نقطة تقاطع حضارات الشرق والغرب، ومحط نظر الكون،ومقصد الباحثين عن معجزة الخلق.ولم تتعثر وتصبح قرية نائية، إلا عندما حكمها البعثيون الأشاوس (بعث تشيده الجماجم والدم، حسب شاعر البعث ونقيب الصحفيين السوريين صابر فلحوط) ، الذين ينحدر غالبيتهم من خلفيات زراعية، أو جبلية، أورعوية.لقد فرض هؤلاء قيمهم ومرجعياتهم الريفية والصحراوية في جميع مناحي الحياة،فتراجع الجانب الحضاري المدني الخلاق، الذي طبع المجتمع السوري، منذ الألف الخامس قبل الميلاد،عندما تأسست بداياته في حضارة"تل حلف"و"تل بيدر"و"رأس العين"، في محيط مدينة الحسكة التي شهدت اللبنات الأولى، للحضارات المؤابية والحثية والسومرية والآشورية والآرامية،وذلك في فترة سابقة حتى على"قوانين حمو رابي".

مثلما نكل ضباط الأرياف والصحارى بالقاهرة والجزائر وبغداد،وحولوها من حواضر مدنية عريقة،إلى ثكنات وأقبية للتعذيب،استباحوا دمشق وعاملوها كما يعامل الغزاة السبايا.فصارت صحراء لاينبت فيها الورد الجوري والياسمين والحبق والفل،وتحولت الغوطة الجميلة الغناء، التي تعتبر من جنان الله على الأرض،إلى مرابض لدبابات سرايا الدفاع والوحدات الخاصة وبقية الجيوش الطائفية،وحقول رماية وتمرين لجنود رفعت الأسد وعلي حيدر وعلي دوبا وشفيق فياض وعلي أصلان وعلي الصافي، وأخيرا ماهر الأسد وآصف شوكت، ومن لف لفهم من ضباط الغفلة.فلم يعد الربيع الطلق يختال ضاحكا.جف بردى مع وصول البعثيين من القرى العطشى،وغاب اللوز والجانرك والاكدنيا والكرز والمشمش الأخضر والتوت والفريز،وهاجرت الطيور التي ماكانت تتوقف عن الغناء،ولم يجد نزار قباني حتى قبرا يرتاح فيه،هو الذي قال في دمشق، مالم يقله المجنون بليلى.دمشق البيوت القديمة التي تعد ثروة تاريخية،والخانات،والأسواق.الحميدية والبزورية ومدحت باشا والصاغة العريقة في القدم،صارت تضج بالمخابرات والنصابين، بعد أن كانت مراكز تجارية لعدة قرون.

أجدني مضطرا لأن ابدأ بهذه الوقفة الطللية،لأتحدث عن أمرين استوقفاني في الآونة الأخيرة: الأول،هو زيارة وفد من حركة الإخوان المسلمين السوريين إلى لبنان.والثاني،هو كثرة الحديث عن نشاط الداعيات الإسلاميات المعروفات بالأخوات القبيسيات، نسبة إلى زعيمتهن"منيرة القبيسي".

أثار استغرابي تصرف جماعة"الأخوان المسلمين"،وتوقيت زيارة وفدها في هذا الظرف إلى لبنان.و قرأت عدة تصريحات تفسر الأمر، وترد على الأسئلة المطروحة،لكني لم اقتنع بقول المراقب العام للجماعة علي صدر الدين البيانوني،من أن"هدف الزيارة هو توثيق العلاقات مع مختلف الأطراف اللبنانية،لاسيما بعد زوال كابوس وجود القوات السورية في لبنان".هذا كلام يشبه لغة البيانات الرسمية العربية،ميزته الأساسية انه يخلو من أي معنى،ولا يقدم ولا يؤخر.كان الأجدى بالمراقب العام أن يصدر عن لغة تذهب فعليا نحو مرحلة"زوال كابوس وجود القوات السورية في لبنان"،لكنه يعرف من دون شك،إن صياغة خطاب يرقى إلى مستوى المرحلة الجديدة مهمة صعبة، لايستطيع الإخوان لوحدهم القيام بها.إنها مهمة المعارضة السورية بجميع أطيافها،أم أن البيانوني يريد الابتعاد عن بقية الأطراف،والقفز على هذه البديهية، بعد انتقل إلى جبهة الخلاص؟.

ليس لبنان بعيدا على احد،وبوسع الجميع أن يقصده،في هذا الوقت.لكن الشطارة ليست في تسجيل المواقف الإعلامية.ويعرف الأخوان أكثر من إخفاقات تجربتهم في العقدين الماضيين، إن أكثر ما اضر بالمعارضة هو ضجيجها الإعلامي،الذي كان يتم توظيفه لصالح جهات إقليمية أخرى.لقد كان المرء يعتقد أن خطورة المرحلة سرعت في نضج القوى السياسية السورية،لاسيما جماعة الأخوان التي لاتكف عن تذكيرنا بأنها حالة متقدمة على الآخرين.لكن على مايبدو أننا مانزال نحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد، لكي نصبح جديرين بتحمل شرف مهمة التغيير الفعلي، وليس الخلبي الإعلامي الذي يذهب جفاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت