فهرس الكتاب

الصفحة 23633 من 27364

إن أكثر ما يسجل على رحلة الأخوان نحو لبنان،هو الخفة السياسية والتفرد.الخفة لأن الظرف لم ينضج بعد للمعارضة السورية لكي تطل برأسها من هناك. والتفرد،هو أن يذهب الاخوان لوحدهم،في حين أن زيارة وفد من المعارضة كان أجدى،وأسلم سياسيا،ويفهمه الناس ويتفهمونه،ولا يبدو انه فقط من باب النكاية بالنظام السوري .

لا أقول هذا الكلام من باب تسجيل المواقف أو المزايدة على جماعة الاخوان،بل من منطلق التنبيه إلى خطورة الانفراد،ولاشك بأن الاخوان يدركون مخاطر الانفراد، على وحدة عمل المعارضة،ويعرفون إن بقية فصائل المعارضة رفضت في السابق عقد تسويات مع النظام، لأنه أراد الاستفراد بهم منذ أحداث العنف في الثمانينات،ويدركون جيدا إن هذا الموقف المبدئي للمعارضة اليسارية،هو الذي شكل سور حماية لهم.وقد جسد ذلك رياض الترك تحديدا.وبالتالي،إن انفرادهم لايفيدهم،لكنه يضعف المعارضة.وأرجو أن يشيروا لنا إلى مكسب سياسي واحد، جنته المعارضة من زيارتهم المنفردة إلى لبنان.

إن التنسيق بين القوى السورية واللبنانية مطلب ملح وضروري،لكن نجاحه مشروط بالوضوح والرؤية الجماعية،والإقلاع عن الحسابات الصغيرة، والمكاسب الإعلامية المؤقتة.

أما حديث"الأخوات القبيسيات"فإنه يعتبر آخر صرعة تصدر عن النظام السوري .هو الإضافة الأكثر إثارة للجدل ،التي يصفها تقرير صحافي حديث، بأنها ظاهرة لم تعد مقتصرة على سوريا والدول العربية فحسب،بل إن حلقات"الأخوات"باتت تدق أبواب بيوت في باريس وفيينا، لتصل إلى الولايات المتحدة .

"القبيسيات" (نسبة الى الآنسة منيرة القبيسي) عبارة عن داعيات إسلاميات، يشرفن على تدريس مئات الآلاف من التلاميذ منذ نعومة أظفارهم،بطريقة محافظة تلازمهم في المرحلة اللاحقة عبر الدروس أو المساجد،وصولا إلى رعايتهم عبر المساعدات الخيرية والأهلية.ويقول التقرير أن نجلي كفتارو (المفتي الرسمي السابق للدولة) والبوطي (المفتي السياسي للنظام) اتفقا على أن"الأخوات القبيسيات يقمن بالدعاء المستمر للرئيس بشار الأسد دون التطرق إلى السياسة"،وزاد البوطي"ولاؤهن للوطن كبير".وتشير دراسة إلى أنهن يحرصن على استمالة ذوات المناصب والثريات وبنات العائلات الكبيرة ،ومن قيادات الحركة أميرة جبريل شقيقة احمد جبريل.ومن أفكارهن، أن زيارة الشام واجب ،أو لنقل حلما لكل من يتم لها الإذن بذلك.

إن الملاحظ هو أن الحركة لصيقة إلى حد كبير بالشيخ البوطي،الذي عرف عنه تنظيره للنظام،وهو صاحب الفتوى الشهيرة،التي أباح بموجبها للرئيس حافظ الأسد الصلح مع إسرائيل،ثم أنها حركة نسائية باتت منتشرة على نطاق واسع في المدن الكبرى والأرياف،ويتركز نشاطها الرئيسي على الأوساط السنية،وهي تعتمد في ذلك على نفوذ عائلات تقليدية معروفة.

إننا لسنا إزاء دكان سلفي كالتي برعت أجهزة المخابرات بفبركتها خلال السنوات الأخيرة، مثل"الأحباش"و"عصبة الأنصار"و"جند الشام"في لبنان،ولا أمام بدعة وضروب من الشعوذة والدروشة العفوية،بل أمام حركة اشمل،منظمة على نحو مدروس،تركز نشاطها على المرأة السورية،وتذهب ابعد نحو لبنان والأردن.إن الهدف من ذلك واضح،هو توظيف موجة"الأسلم"التي بدأت تجتاح الأوساط النسائية في السنوات الأخيرة،والتي ترافقت مع العودة إلى ارتداء الحجاب،والتقاليد المحافظة،ثم تحييد جزء أساسي من المجتمع وإبعاده عن أي نشاط سياسي معارض.إن النظام يخاف من دون شك أن ينتقل هذا المد المحافظ، نحو العمل السياسي، لذا يعمل على حرفه في اتجاه صوفي زائف يعتمد الخرافات،بتوجيه من الدعاة الذين وظفوا مواهبهم لخدمة النظام مثل البوطي وكفتارو.

إن الحديث عن مئات آلاف الأعضاء ،ليس رقما مبالغا فيه كما يقول بعض المطلعين،لأن هذه الحركة صارت منتشرة على نطاق واسع بعد أن حصلت على تغطية رسمية من الدولة،وصارت تقوم بممارسة الوعظ والإرشاد والدعاية لأفكارها في المساجد.وبالتالي هي نوع من اتحاد نسائي جديد بعد أن فشل الاتحاد النسائي الرسمي،وصارت سمعته سيئة على جميع المستويات.

يتضح في كل يوم أن النظام السوري قادر على الابتكار وتجديد نفسه حسب الموجة السائدة،وطالما أن الموجة إسلامية إلى حين،فلن يكون مستغربا إذا قرر تغيير مبادئ حزب البعث من العلمانية إلى الإسلامية،ولامانع أن يتحول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى حزب البعث الإسلامي الاشتراكي،بقيادة جديدة يكون النصاب الأكبر فيها للرفيقات القبيسيات،والأمانة العامة للشيخ القرضاوي.

إن الأمر لايقتصر على لعبة سياسية وقتية،بل إنه نهج يقود في نهاية المطاف إلى تحويل سوريا إلى ريف صحراوي قاحل،وقتل روح المدنية والتنوير التي عرف بها هذا البلد على مر العصور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت