كثيراً ما يواجهني سؤال مفاده. لماذا تنتقد بحدة العلمنة والفكر العلماني ؟ مباشرة ، ودونما أية مجاملة أو مواربة، أو عبارات اعتذارية كما جرت العادة عند التعرض لمثل هذه القضايا ذات الأبعاد الحساسة، أقول:
السبب أنني أرى أن هذا الفكر الطارئ ، له آثاره الخطيرة على المجتمع ،يقول الدكتور سفر الحوالي ـ شفاه الله ـ وهو من كبار العلماء في بيان تعريف العلمانية: ( لو قيل إنها فصل الدين عن الحياة ، لكان أصوب ، ولذلك فإن المدلول الصحيح للعلمانية هو إقامة الحياة على غير الدين ؛ سواء بالنسبة للأمة أو للفرد ) العلمانية ص 24 .
هذه الفرقة - في حقيقتها - تقوم وتنطلق على أساس فصل الدين عن الحياة ..ومن ضمنها السياسة ..فالعلمانيون يجعلون الحياة في جانب والدين في جانب آخر ..وهنا بيت القصيد ومربط الفرس كما يقولون.
فالدين في نظر هؤلاء هو الاعتقادات ومن وسع دائرته فيضيف إلى ذلك الشعائر ، وهو مفهوم كهنوتي غربي انتهى إليه الحالة الغربية بعد الصراع ثم التوافق التاريخي بين كنائس الأحبار والرهبان وبين مؤسسات المجتمع الغربي وعندما استوردنا هذا التصور صرح بعضهم جهراً أن ( الدين لله والوطن للجميع ) وشعار ( لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين )
إننا نتوجه بالسؤال إلى من يدعي الإسلام من هؤلاء فنقول:
إذا أخرجنا ـ على سبيل التحكم ـ جزءا من النشاط الإنساني في الحياة ـ إما السياسة وإما غيرها ـ عن دائرة الدين فمن أين نتلقى منهج وأحكام هذا الجزاء ؟
ولأن (فكرة فصل الدين عن الحياة) هي أساس (العلماني ) ، فإن الراصد المتتبع لخطاب ناشطيهم ودعاتهم، يجد أنهم يدافعون عن تنظيماتهم ويتعاملون مع خصومهم، ويصفون الذين يطالبون بتطبيق الإسلام وتحكيمه في أرض الله وعلى عباد الله كما هو بدون اختزال بأنه (صحوي أو متطرف أو طالباني ) ـ باستثناء بعض المتأثرين بهم من حيث لا يشعرون ـ وهم بذلك - ربما دون أن يشعروا - يفترضون أن الإسلام (ديناًً كهنوتياً) مكانه المسجد وأن الذين يعترضون على تسلطهم، ويختلفون مع خطابهم، هم ضد الإسلام بينما هم في الواقع ضد أن يكون انتقائية في اختيار ما يناسب من أحكام الإسلام للإشهار به على الأعداء والخصوم ..وتمرير أفكارهم ..وتبرير مواقفهم .. لأن الإسلام من حيث المنطلق، ومن ثوابته الأساسية، والتي لا يختلف عليها اثنان من أهل الإسلام ، لا يقبل بإقامة الحياة على غير الدين وإنما قام على أن يكون الدين مهيمنا على الحياة كما قال الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) ) ( البقرة:208) .
والعلماء هم ورثة الأنبياء في بيان الدين للناس وتعلميهم إياه .. وقد أمر الله تعالى عباده برد الأمر عند الاختلاف إلى العلماء فقال سبحانه: (( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) ) ( النساء: 83) .
ولذلك أقام ولي الأمر المؤسسات الدينية كهيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء لضبط الناس وتوجيههم .. بل كل دول العالم تضع ذلك على حسب أديانهم وتوجهاتهم .
والإسلام أمر بالطاعة (لأولي الأمر) خاصة، في قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) ) (النساء:59) .
ولا صحة لمن يقول إن العلماء لا يشتركون مع الأمراء في مقتضى (الطاعة) بمعناها الشرعي ، قال العلامة الشنقيطي في تفسيره ( 7/317) ( وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر وهم العلماء أو العلماء والأمراء وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به فإنه لولا التقليد لم يكن هناك طاعة تختص بهم )
وأهل العلمنة ينتظمون ضمن (تنظيم) أو قل: ( توجهات فيهم فلول شيوعيين وبعثيين وقوميين ) ، و ليسوا كالعلماء إنما هم ( آحاد) وأفراد، يتفقون ويختلفون حسب اجتهاداتهم وفهمهم للأدلة، ولا يضر - بالتالي - المجتهد منهم اختلافه مع من هو أعلى منه منزلة، أو أقل منه منزلة من الناحية العلمية. يقول علماء الأصول: ( لا إنكار من أحد على أحد في المسائل الاجتهادية فالمجتهد لا ينكر على مجتهد مثله، والمقلد لا ينكر على مقلد مثله كذلك، بَلْهَ أن ينكر على مجتهد) هذا هو الإسلام. أما بنو علمان ، أو قل الفكر العلماني، فيعملون من خلال (تنظيم) لها منظرون، ولها أسس فكرية، وكوادر وأتباع ومريدون، وهم في الواقع وعند التدقيق والتمحيص من أسس إلغاء الدين واستغل أخطاء أصحاب الكنيسة لتكون نقطة تحول للانفلات من الدين ..وجعل الدين هو العقبة أمام التقدم والحضارة .