بتلخيص وتصرف: من مقال للشيخ أبو عمر أسامة العتيبي
الشبهة الأولى: قد يقول قائل من الليبراليين: إن الله -عزَّ وجلَّ- أراد من عباده أن يختلفوا ، ومحاولة جمعهم مخالف لما أراد الله ..
الجواب:
نظر الليبراليون إلى البشريةِ وحالِها بمنظار واحد ألا وهو منظار الإرادة الكونية والمشيئة العامة لله -عزَّ وجلَّ- ، وأغفلوا الإرادة الشرعية.
فإرادة الله تنقسم إلى قسمين: الأولى: إرادة كونية يلزم منها وقوع المراد ، ولا يلزم منها محبة الله ورضاه عما أراده كوناً . قال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجاً كأنما يصعد في السماء} ، وقال -عزَّ وجلَّ- {فعال لما يريد} ، {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} .
فالله أراد خلق إبليس وهو لا يحبه ولا يرضاه . وإنما خلقه لحكم عظيمة منها ابتلاء الناس ، وبيان المصلح من المفسد.
والقسم الثاني من الإرادة: إرادة شرعية يلزم منها محبة الله للمراد ورضاه عنه ، ولا يلزم منها وقوع المراد. {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} ، {والله يريد أن يتوب عليكم} .
فالله يريد من عباده جميعاً أن يوحده ويعبدوه ويحب ذلك منهم ، ولكن لا يلزم أن يؤمن الناس جميعاً بل منهم المؤمن ومنهم الكافر.
وما ضلال الطوائف في باب القدر إلا لخلطهم بين الإرادتين ومشاهدتهم لأحد القسمين دون الآخر.
فالقدرية شاهدوا الإرادة الشرعية فرأوا أن الناس يفعلون ما لا يريده الله شرعاً من الكفر والفسوق والعصيان ، فأنكروا خلق الله لأفعال العباد والله يقول: {والله خلقكم وما تعملون} .
والجبرية شاهدوا الإرادة الكونية فقالوا العبد مجبور على فعله ، وصححوا عبادة المشركين واليهود والنصارى وزعموا أن الله يحبها ويرضاها وهذا باطل فالله يقول: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم} .
ولذلك حرم الجبرية قتال الكافرين والمشركين ، ولم يفهموا الجهاد في سبيل الله وأنه فُرِضَ وشُرِعَ {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} والفتنة: الشرك.
ولذلك دعا الجبرية إلى وحدة الأديان وأباحوا الردة عن الإسلام لأنهم ظنوا أن الله جبر العباد على الشرك والإيمان وهو -عزَّ وجلَّ- يحب ذلك كله !!
وهم ضالون بذلك مخالفون للكتاب والسنة والإجماع.
ونقول لهم أيضاً: إن الله أراد كوناً وقدراً من الخوارج أن يسفكوا الدماء ويقتلوا المسلمين ، وأنتم استنكرتم التفجير والقتل فهل نقول: إنكم عارضتم إرادة الله ؟
لا .
لأن إرادة الله الشرعية تحرم ذلك وتمنعه ، ونحن متعبدون أمراً ونهياً بالشرع وبما يريده الله شرعا ودينا ..
أما ما أراده كونا فهو لحكم بالغة منها بيان خطر وشر الخوارج إذ حصل منهم قتل وفساد ، فإن الناس لو لم يروا ذلك لما عرفوا خطرهم..
2-الشبهة الثانية: قال قائل من الليبرالية: إن الاختلاف متأصل في طبع البشر ، وأخذ يدور في فلك هذه القضية ليصل إلى نتيجة واحدة وهي التسليم بهذا الاختلاف وعدم إنكاره ومحاولة القضاء عليه .
حيث قال: [أية محاولة لنفي الاختلاف والتعدد أو قسر الناس على رؤية واحدة ذات بعد آحادي انغلاقي اقصائي فهي ببساطة شديدة مضادة لحكمة الخالق سبحانه وتعالى من إرادته لخلق خلقه مختلفين]
الجواب:
إن هذا الكلام جعل هذا الليبرالي يقع في متاهات ويخالف اليقينيات المسلمات في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
فأقول لهذا الليبرالي: اعلم أنك بهذه النتيجة ، والحتمية التي قررتها بناء على مفهومك تجعل ذريعة واضحة للمخربين أن يخربوا ويفجروا!!
فهؤلاء الذين يفجروا في بلاد المسلمين هم من الخوارج وهي فرقة من الفرق المنتسبة للإسلام ،"وهم يكفرون الحاكم بغير ما أنزل الله ولو لم يكن مستحلاً أو مستكبراً أو معانداً"فإذا كنت لا تعاقب عليها في الدنيا ، وتجعل لها حرية اختيار هذا المعتقد الفاسد فأنت تشجع أولئك الخوارج على استمرارهم في دينهم الباطل ومعتقدهم الفاسد ، وتنهانا عن الإنكار عليهم ، وتمنع من معاقبتهم على أعمالهم التي يمليها عليهم معتقدهم ورأيهم الذي جعلت لهم الحرية في اختياره!!
أقول لهؤلاء الليبراليين: كيف سنجتث الإرهابيين من جذورهم وأنتم تؤيدون بقاءهم وحريتهم وتمنعون معاقبتهم في الدنيا؟!!
فإذا قلتم: نحن نشترط حرية الاعتقاد والتفكير والرأي دون أذية للآخرين ولا تعد على حقوقهم!!
فنقول لهم: قد وقعتم في التناقض ، وقد حجرتم عليهم ، ولم تجعلوا لهم الحرية في ممارسة شعائرهم وطقوسهم التي لا تتم إلا برؤية الدماء والأشلاء!!
فالليبرالية لا تعالج الأمور ، وإنما تُعالَجُ بما هو مشروع في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
فالإسلام يلزم الناس بتوحيد الله وعبادته وطاعته ، وشرع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والدعوة إلى الله والمجادلة بالتي هي أحسن لهذا الغرض ، وكذلك شرع الجهاد لنشر دين الإسلام والقضاء على الشرك.