فهرس الكتاب

الصفحة 1659 من 27364

مهيمن عبد الجبار

إن الحديث عن المدارس الأجنبية حديث يتلاقى ويتماس مع كثير من نقاط واقعنا المعقد؛ فهو يتناول التربية العقدية بمفهومنا ولفظنا، كما يتناول التنشئة السياسية من جهة أخرى، ويتناول قضية الهوية بجوانبها وتشعباتها، وهي سر من أسرار تخلف التنمية، ولها ظلالها الإعلامية والتعليمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، ويمس عصب الأمن القومي.

ولكي نتصور القضية تصوراً صحيحاً لا بد أن نضع في اعتبارنا عدة أمور:

أولها: أن التعليم الأجنبي يأتي ضمن منظومة واسعة لتغريب الأجيال وإبعادهم عن دينهم تتضمن التعليم والإعلام والثقافة، ويتستر خلفها التبشير والاستشراق والاستعمار، وتساندها بقية الأدوات.

وثانيها: أن الكلام حول التعليم الأجنبي يتناول المدارس الأجنبية ومدارس الإرساليات التبشيرية ومدارس الجاليات بالأصالة، كما يشير إلى مدارس اللغات والمدارس التجريبية التي تقفو أثر المدارس الأجنبية ـ وإن تسمَّت بأسماء عربية ـ بالتبعية، كما يتطرق الحديث إلى الابتعاث إلى الدول الغربية.

وثالثها: أن حديثنا عن دور ومخاطر هذا النوع من التعليم يزيد من شأنه ـ ولا يهون ـ ما يتم للتعليم الوطني اليوم في كثير من بلادنا الإسلامية تحت مسميات التطوير والتحديث، ضمن ما يعرف بالعولمة التعليمية التي ترعاها المؤسسات الدولية وتدفع إليها الدول الغربية.

ورابعها: أن التعليم في الإسلام يعني عملية إفراز وتنمية للولاء العقدي الذي هو أعلى وأوثق أنواع الولاء، كما يرتبط بقيمة وجودية للأمة الإسلامية هي الهداية كما قال - تعالى: {وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } [آل عمران: 79] .

كما يرتبط بقيمة أخرى في الآخرة هي الوقاية من عذاب الله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } [التحريم: 6] ، وهذا ـ كما قال المفسرون ـ يتم بالتعليم والتأديب، وفيه ملمح مهم وهو ارتباط التعليم بالإصلاح، على عكس ما يحدث اليوم في التعليم الأجنبي.

وخامسها: أن دخول أطراف خارجية في العملية التعليمية يعني تعريض أمن الأمة للخطر؛ وذلك حين يتعرض دين الأجيال للتحريف وعقولهم لألوان الغزو الفكري، وهي مسألة لا تقل خطورة عن السماح للأجانب بالالتحاق بالجيش أو أجهزة الأمن التي تسهر على حماية البلاد، بل تزيد؛ لأنها تؤدي مستقبلاً إلى وجود مثل هذه الفئات داخل هذه المؤسسات دون أن ندرك حقيقة الدور الذي تقوم به.

إننا كثيراً ما نلمس آثار هذه المدارس على المتخرجين فيها، لكن ما يغيب عنا أكثر، دون أن يكون لنا ـ أفراداً أو مجتمعات ـ دور يتفاعل مع قضية بهذه الخطورة.

سادساً: إن الحديث عن التعليم الأجنبي اليوم لا يمكن التطرق إليه بمنأى عن الخريطة التعليمية القُطرية والعولمية؛ فلم تعد المدارس الأجنبية هي الخطر الوحيد في المجال التعليمي؛ بل ينبغي تصور خريطة المخاطر المحتفة بالتعليم اليوم؛ فهناك مدارس الإرساليات (علمانية، ودينية) ، وهناك المدارس الدينية التي تخص الطوائف النصرانية التي تعيش في بلداننا الإسلامية، والمدارس الخاصة التي تقتفي أثر هذه المدارس، إلى جانب التعليم العام المنجذب مغناطيسياً نحو مجال هذه المدارس كنموذج.

إن نظرة الأمم إلى مسألة التعليم تنطلق من نظرتها لذاتها ودورها وهدفها الأبعد على هذه الأرض وما بعد الأرض؛ ومن ثم فإن الخريطة التعليمية لأي دولة يمكن أن تنبئنا بتطلعات هذه الدولة إلى المستقبل، ويمكن إيضاح ذلك من خلال عدد من التجارب والمواقف:

* كان للتعليم الشرعي دوره الذي بهر العالم كله في نموذج طالبان وسيطرتها على الأوضاع داخل أفغانستان بسهولة، والبدء في خطط تنموية حقيقية رغم الحصار الشديد وضعف الإمكانيات؛ مما جعل التقارير العالمية توصي باتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة بصدد هذا النوع من التعليم في الدول الإسلامية الأخرى، ومن ثم قامت النخب العلمانية بتصفية هذا النوع من التعليم بعدة طرق في تركيا ومصر واليمن وباكستان وغيرها، وما يحدث الآن في أفغانستان يعيد للأذهان حملة نابليون للقضاء على بواكير النهضة العلمية والحضارية التي كادت تزهر في أحضان الأزهر، وزرع التعليم البديل (1) .

* كان للمدارس الدينية دورها في إنجاح الثورة الإيرانية في أواخر السبعينيات، كما كان للتعليم الغربي دوره اليوم أيضاً في الانقلاب السلمي على الثورة هناك.

* النهضة الاقتصادية الماليزية بدأت أيضاً بالتعليم؛ ففي سنة 1985م أقيمت مؤتمرات وطنية لقضية التعليم، وقررت أن تكون ماليزيا دولة صناعية؛ ولذا تغيرت مناهج التربية والتعليم على هذا الأساس، كما تغيرت نظم البعثات الدراسية، والهجرة والاستثمار في غضون 10 سنوات، وكانت النتيجة أن ماليزيا أصبحت عاشر دولة صناعية في العالم سنة 1995م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت