فهرس الكتاب

الصفحة 5478 من 27364

أنور علي العسيري 1/11/1423

على مساحة الأداء التاريخي للسياسة في عالمنا الإسلامي وبخاصة منطقتنا العربية تشكلت أنماط من التجاذبات والصراعات السياسية أثرت في بنية تطورها العام وساهمت مع عوامل أخرى في تحلل نموذجها الحضاري ، فمنذ قرون والامة تقود العالم حضاريا وتزدهر أنشطتها في اتجاهات مختلفة لكنها غالباً ما كانت تفشل في جانبها السياسي الذي كان يهيئ دائماً لسقوطها كأنموذج حضاري إسلامي راق من المفترض استمراره . وفي هذا العصر الذي نعيشه اقتحم (الاستخراب) وأدواته مرتكزاتنا واستطاع التغرير بكثير من المحبطين من هذا التاريخ السياسي وقلة منتجاته القابله للتطبيق والذي تغافل عنها الأداء الفكري السياسي في السابق بشكل لا يتناسب مع تطور الحضارة الإسلامية فكان أن اصطدم ذوو العقول الذين خرجوا يبحثون عن العلم في الغرب بمجتمعات مدنية تمارس حياتها في جو هادئ يتيح للإبداع فرص التكاثر عكس ماكان سائدا في أوطانهم ، ونتيجة لهذه المواجهة التاريخية بين شخصية إسلامية منهزمة من الداخل وسطوة الحضارة المادية سقطت أوراقهم، وبدلاً من أن يأخذوا منهم الوسائل أصبحوا يلهثون وراء قيمهم وأفكارهم وأسلوب حياتهم ، نتيجة لغياب الإيمان العميق والعقيدة داخل نفوسهم.

سهلت هذه الحالة التاريخية الفرصة لتكاثر الأفكار والأيديولوجيات الغريبة عن مجتمعاتنا فمن ليبرالية فرغت الحضارة من قيمها الروحية السامية إلى اشتراكية قمعت الإنسان البسيط من أجل الجماعة (جماعة الصفوة الاشتراكية ولاشك) إلى حركات تحرر مبتذلة تدعي لنفسها القومية والوطنية وهي تستقي وحي عقيدتها الفاسدة من الوحل الأساس ... وفي مدار هذه الهرولة الأيديولوجية كانت الأمة بمجموعها في حالة من الجهل لا يسمح لها أن تعرف أين تقف ومع من تبدأ أجبرت وليس لها من الإدراك ما يجعلها تقاوم هذه حركات الدخيلة فاستلبت فئام من ذوي النفوذ العقلي والسلطوي والمالي مراكز التأثير إرادتها ودفعت بأفكارها عبرها وسخرت وسائل إعلامها ومنتدياتها بل وجعلت المنطق يؤيد وجودها كحتمية تاريخية ...زخم من الاندفاع الأيديولوجي مورس على الأمة من مثل هذه القيادات المتغربة كان من نتائجه: اعتناق عقول من الشباب اليافع لمثل هذه الأفكار وعباراتها الثورية فأنتجت أجيالا متعددة تؤمن بهذه الأفكار كمخرج من حالة التشرذم وخاصة أن فلسطين كانت الورقة الأساسية في يد أي انقلاب يطيح بأي سلطة!

والآن وبعد أن جرب في حقل الأمة إفراز هذه الأيديولوجيات سقطت الأقنعة ، وصدم المؤيدون بهذه الحالة من الانهيار الحضاري والتردي المقيت الذي أوقف أمة الإسلام على طرقات العالم المتقدم تتسول كل احتياجاتها من الخيط حتى السيارة!

حالة من الانهيار تضافرت في شكل صدمات متلاحقة من الأحداث شكلت في تراكماتها التاريخية فرصة لظهور ملامح الحركات الإسلامية على الساحة في مقابل شعور الأنظمة السياسية بانخلاع الشعب عن خطاباتها الرنانة وشعاراتها الأيديولوجية الغريبة عنها والتي لا يفهمها إلا أبناء موسكو ورواد مقاهي نيويورك العابثة! هذا الانخلاع توافق خوفا من انهيار أنظمة هذه الفئات فقررت التوشح بالإسلام ولو صوريا من خلال التصريح علناً بأن الدستور إسلامي ( مع بقاء التطبيق تحت عباءة العلمانية المقيتة) !!

والان ورغم هول الأحداث وتسارعها وفرضها لتغيرات شاذة في منحنى الفعل السياسي العالمي إلا أن هذه الأحداث كذلك قررت أن تفرض جيلاً مسلماً شاباً غير الذي كان قبل الحدث الحادث.

جيل أراه يتزايد كل يوم ولله الحمد والمنة ، يعتز بدينه ويقرأ الأحداث من خلاله ويعرف أن لا نجاة لهذه الأمة إلا السير في قافلة الدين الإسلامي الحنيف، ومما يزيد الأمر تفاؤلاً وقوة أنها أجيال شابة دفعت الملايين من الدولارات لإلهائها عن الحقيقة بتعرية الأجساد على الشاشات الفضائية ورغم ذلك وقفت فطرتهم- بتوفيق من الله- أمام هذا المحك الجلل. ولأن الأمة تمر بمرحلة تمثل منعطفاً في تاريخها كان على أبنائها التوحد وخاصة الحركات الإسلامية ، لكن المشكلة التي كانت و مازالت تعاني الحركات الاسلامية منها هي تلك الريبة من أي مشاركة إسلامية سياسية ! وللحق فان مثل هذه الريبة ليست وليدة حالة بعينها بقدر ما هي وليدة تراكم تاريخي وسياسي واجتماعي وتجارب اقتحمتها الأمة منذ وقت مبكر في فجر تاريخها حتى غدت السياسة وأهلها في نظر الكثير من المسلمين أمر مهين ولا يجب للعاقل أن يقترب من أبوابها بل يصل الأمر إلى حد اتهام العلماء الذين يحاولون التأصيل لهذا العلم ومناقشة دور الأمة في صناعة القرار بتهم أقل ما يقال فيها عنهم انهم يثيرون الفتنة ويخرجون عن الإجماع ويسيرون على درب الخوارج !! سيل من العناوين المعلبة تحاول أن تقتل كل محاولات النهوض الإسلامي وتعتقد أن كل من يخالفها على خطأ، وهم بذلك يتجاهلون أن السياسة وسيلة مهمة لإعلاء كلمة الأمة وأنها نشاط مهم ورحب لإعلان قوة المسلمين مثلها في ذلك مثل الاقتصاد والطب وما سوى ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت