فهرس الكتاب

الصفحة 5039 من 27364

عبد الوهاب

تظل العلمانية واحدا من أكثر الموضوعات المثيرة للجدل في الفكر العربي المعاصر. وربما لم ينقطع النقاش حولها -ولا يتوقع له أن ينقطع- منذ وطئت أقدام الاستعمار الغربي أرض العرب, وبدأت تتشكل معالم"صدمة الحداثة والغرب"في الوجدان والفكر العربيين.

وبالتأكيد فإن تلازم العلمانية مع الغرب والاستعمار وإدراكها في المخيلة العربية بعامة كمكون منسوب إلى سياق حضاري وتاريخي ليس"خارجيا"فحسب بل ومعاد, قد نقل التفكير والنقاش حول العلمانية -بتعدد تعريفاتها ومركباتها المفهومية- إلى حيز السجال الإيديولوجي المسيس. وبهذا فهي لم ينظر إليها من زاوية محايدة بحتة, بل ظلت متهمة منذ بروز أول تمظهراتها العربية بأنها وليدة الغرب ومستنبت مستورد مفروض على المجتمعات العربية من قبل الغرب, ومن قبل النخب الحاكمة المتحالفة مع الغرب. ومن هنا فقدت العلمانية مصداقية كانت في أشد الحاجة إليها كي تشرع وجودها على ساحة النقاش الموضوعي على الأقل في الفكر العربي الذي قد ينقض أو يستصوب الفكرة استنادا إلى رؤية فكرية وعقلانية وليس سياسية تاريخية منتمية إلى مجتمعات طحنها تغلب القوى الغربية المبشرة بالنموذج العلماني.

يرى المسيري أن العلمانية متتالية تاريخية تطورت بشكل حصري في السياق الغربي، وعكست الأزمات والحلول والصراعات والمساومات السياسية والفكرية والنظرة الفلسفية المتكونة وتوترات علاقة السلطة الدينية بالزمنية

وفي هذا الإطار فإن ما يراه عزيز العظمة في مداخلته في هذا الكتاب حول العلمانية ونقاشاتها في العالم العربي يغدو صحيحا, فهذه النقاشات لم تتعد السجال الإيديولوجي ولم تمنح فرصة النظر المتروي الهادئ غير المشحون بالرؤى المسبقة. لكن ما لا يتم الموافقة مع العظمة عليه هو محاولته أنسنة المشروع العلماني ونسبته إلى البشرية بعامة وكسر حصرية التأثر بالمنشأ الغربي للمفهوم والنموذج، إذ لا يمكن القول بأن المكونات التأسيسية للنموذج العلماني قد جاءت من حضارات وسياقات ومفاهيم اجتماعية متنوعة المصدر وأن الغرب واحد من هذه المصادر رغم أنه المصدر الأهم بكل تأكيد. كما لا يمكن تصور انتشار النموذج العلماني في عالم اليوم كما هو عليه لو لم يكن الغرب بالقوة التي نراها. ومن هنا جاء إصرار عبد الوهاب المسيري على اشتراطه ضرورة الوصول إلى تعريف عميق وتاريخي من أجل الخوض في النقاش حول العلمانية. وهو يعني بذلك مشروطية النظر إلى العلمانية بكونها"متتالية تاريخية"تطورت بشكل حصري في السياق الغربي وعكست الأزمات والحلول والصراعات والمساومات السياسية والفكرية والنظرة الفلسفية المتكونة وتوترات علاقة السلطة الدينية بالزمنية وهكذا، وأن هذه المتتالية تأسست بالتدرج وشملت فكر الأنوار منذ بداية اندثار العصور الوسطى ثم عصور الثورة الفرنسية والأميركية والثورة الصناعية والحداثة، شاملا ذلك حركات الاستعمار والإمبريالية ووصولا إلى العولمة.

لا يفصل المسيري هذه الحركات والتحولات الكبرى بعضها عن بعض سواء في طريقة تطورها أو في علاقاتها التداخلية أو في اعتماداتها المتبادلة على التقدم الذي ينجزه أي منها وتستفيد منه الأطراف الباقية. لكن عدم فك الارتباط -على ما فيه من وجاهة فكرية وشمولية في النظرة- ينزلق إلى التعميم في بعض النواحي. وتتبدى النظرة التحليلية وكأنها تزج بالعناصر الخاضعة للتحليل في إطار تلك النظرة, لإثبات الصوابية. ومن أبرز ملامح"القسر"هو معادلة تلك الظواهر والتغيرات بعضها ببعض, إذ قد ينتهي القارئ غير المتخصص بعد قراءة نص المسيري إلى نتيجة مضللة وهي أن العلمانية, والحداثة, والاستعمار, والعلمانية, والعولمة, وما بعد الحداثة, ليست سوى مسميات لشيء واحد هو نمط التطور والسيطرة الغربية في العالم سياسيا وفكريا وعلميا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت