فهرس الكتاب
لكن ما يسجل للمسيري في مداخلته حول العلماينة هو الجهد المميز لتعريف المصطلح ووضعه في سياقه التاريخي, ومتابعة نشوئه من تاريخ صلح وستفاليا الذي أوقف الحروب الدينية في أوروبا عام 1648, ثم تطوره ليسم فصل الكنيسة عن الدولة, وتأصيله بتعريف مشهور واضح لجون هوليوك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على أن العلمانية هي"الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية, دون التصدي للإيمان, سواء بالقبول أو الرفض" (ص 12) . هذا التعريف وسواه قصد به إعلان العلمانية الحياد تجاه الدين, وهو الأمر الذي ينقضه المسيري ويرى فيه انحيازا ضد الإيمان وذلك عبر إضمار نموذج لإصلاح حال الإنسان بالطرق المادية يجب الوصول إليه من غير طريق الإيمان. ومن هنا فإن المسيري يرى في العلمانية ما هو أبعد من فصل الدين عن الدولة, الأمر الذي يعتبره الشيء الظاهر فيها والموجود في كل الحضارات والعوالم. لكن ما هو أهم بالنسبة إليه هو النموذج المادي الذي تنطوي عليه والذي يشكل"رؤية تفسيرية شاملة للعالم والكون"ترتكز على عناصر واضحة مادية وعقلانية صلبة وأداتية ترفض أي مرجعية متجاوزة. وهو يرى أن هذه العلمانية الشاملة متجسدة ليس فقط في المجال السياسي عبر فصل الدين عن الدولة, بل وفي كل مجالات الحياة الإنسانية الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والمعاملاتية والأخلاقية.
يرى العظمة أن الخطاب العربي المعاصر حول العلمانية تناولها تناولا سطحيا على صورة إيديولوجية مبتسرة يغلب فيها السجال على النظر المتروي وعلى الاعتبار التاريخي.
في المقابل يرى العظمة أن الخطاب العربي المعاصر حول العلمانية"قد تناولها تناولا سطحيا على وجه العموم على صورة إيديولوجية مبتسرة يغلب فيها السجال على النظر المتروي وعلى الاعتبار التاريخي, إذ إنه اعتبرها على شاكلة لائحة من المثالب والمكاسب والمحاسن تبعا لاستساغتها أو عدم استساغتها.." (ص 154) .
وعن العلمانية نفسها فإن العظمة يراها عملية بالغة التعقيد وغير متعذر تعريفها لفظا، وهي تعكس صيرورة تاريخية أكثر منها رؤية للعالم كما يعرفها المسيري. وإذ يتفق العظمة مع المسيري على أن منشأ العلمانية ومهدها كان في أوروبا فإنه يراها متجاوزة لمنشئها الأوروبي ومؤدية إلى تحولات"بالغة السعة والعمق في جل أرجاء المعمورة", وبأنها -كما الحداثة- صارت شأنا من شؤون حياتنا التي لا مفر منها في سياق ترتيب علاقة الدين بالمجال العام. ومن هنا فإن العظمة ينكر على الخطاب العربي ربطه الوثيق للعلمانية بالاستعمار، ويرى أن تلك المرحلة انتهت وأن العلمانية هي نتاج تحولات عالمية قربت العالم بعضه من بعض من ناحية التاريخ والمسارات العامة في الاجتماع والتقدم.
وهكذا فإنه في الوقت الذي يرى فيه المسيري العلمانية"رؤية للعالم""ما فتئت تتجه نحو درجات أشمل من التكامل والانغلاق, وشأنا لا يرد إلى نصابه من التاريخ الفعلي بل إلى مسيرة نوهها التحول من الكمون إلى العيان, فإن العظمة يرى أن مسيرة التاريخ هي"سلسلة متراكبة وليست بالضرورة متكاملة من العمليات الاجتماعية والسياسية والثقافية والمعرفية وخلاف ذلك من ميزات أي مركب تاريخي. وينقد العظمة نظرة المسيري للعلمانية كمفهوم غير محايد وكأن هذا المفهوم نظرة ومنظور ومعيار بدلا من كونه سلسلة عمليات موضوعية في التاريخ, كما يعي موضعيا هنا وهناك, دون أن يكون لهذا الوعي أثر يذكر على تركيب خطابه (ص 270) .
يتبادل المسيري والعظمة الاتهامات نفسها, فالمسيري يتهم خطاب العظمة بالاختزال وتبني"الثنائيات الصلبة"مثل تضاد"الصيرورة التاريخية"و"الشعارات السياسية"و"حركة المجتمع والفكر"ضد"الخيار الإيديولوجي"و"العقلانية"ضد"الإيمان الديني" (ص 248) . وينتقده أيضا بسبب ما يراه عدم ولوج إلى الأبعاد المركبة لظاهرة العلمانية والانحياز إلى تحليل أحادي, إلى جانب الوقوع في أسر"إيديولوجيا"العلمانية, رغم أن العظمة نفسه ينتقد المضمون الإيديولوجي في خطاب المسيري.
وكما يرى المسيري في خطاب العظمة وقوعا في أسر الثنائيات فإن العظمة يرى أيضا الشيء نفسه، حيث يقول إن خطاب المسيري يميل إلى تصنيف"الحسن والسوء للأصيل والدخيل, للمستمر والمنقطع.." (ص 264) . والعظمة لا يتردد في نقد ما يراه"موقفا سياسيا"للمسيري هو في الواقع جوهر"المشروع الإسلامي"الذي يعمد إلى"جعل الاعتبار الديني الاعتبار الأساس في الحياة العامة", الأمر الذي ينطوي على نظرة للمجتمع"تضفي عليه تجانسا إيديولوجيا واجتماعيا وسياسيا ينافي طبائع الاجتماع البشري المعقدة والمركبة والمتحولة, وتجعل من المشروع الإسلامي"مشروعا لقسر المجتمع وترويضه, وتنميط أفراده تبعا لهوى سياسي معين بدلا منه مشروعا للإجماع الوطني" (ص 266) ."