فهرس الكتاب

الصفحة 19587 من 27364

الحمد لله جعلت الفردوس لعبادك المؤمنين نُزُلا؛ فلك الحمد أولا وآخر وظاهرًا وباطنًا، الحمد لله الذي يسَّرها لنا، ويسَّر الأعمال الصالحة لنا؛ فلم يتخذ السالكون إلى الله سواها شغلا وسهل لهم سبلها، فلم يسلكوا سواها سبلا، خلقها قبل أن يخلقهم، وأسكنهم إياها قبل أن يوجدهم، وحفَّها بالمكاره ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وأودعها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفوق ذلك، (( خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ) ) (الكهف:108) .

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، شهادة أدَّخرها لي ولكم إلى يوم المصير، شهادة عبده وابن عبده وابن أَمَتِه، ومن لا غنى به طرفة عين عن رحمته وفضله ومنِّه وكرمه، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بمنِّه وكرمه ورحمته، أشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، شرح الله به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا:

قدْ كانَ هذا الكونُ قبلَ وُصولِهِ *** شُؤْمًا لظالِمِهِ وللمظلومِ

لمَّا أَطَلَّ محمدٌ زَكَتِ الرُّبا *** واخضرَّ في البُسْتانِ كلُّ هشيمِ

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد…

أيها المسلمون: لقد ُفطر الإنسان على أمور عديدة من تلك الأمور:

أن يحب المرء ماله ، وولده ، وأقاربه ، وأصدقائه ، ومن هذه الأمور كذلك هو حب الإنسان لموطنه الذي عاش فيه ترعرع في أكنافه ، وهذا الأمر يجده كل إنسان في نفسه .

فحب الوطن غريزة متأصلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا ُهوجم، ويغضب له إذا انتُقص.

ومهما اضطر الإنسان إلى ترك وطنه فإن حنين الرجوع إليه يبقى معلقاً في ذاكرته لا يفارقه، ولذا يقول الأصمعي: ( قالت الهند: ثلاث خصال في ثلاثة أصناف من الحيوانات، الإبل تحن إلى أوطانها ، وإن كان عهدها بها بعيداً ، والطير إلى وكره، وإن كان موضعه مجدباً ، والإنسان إلى وطنه ، وإن كان غيره أكثر نفعاً ) .

وهذا الأمر - وهو حب الإنسان لوطنه - غريزة في بني الإنسان وجدها أفضل الخلق صلوات ربي وسلامه عليه: فقد أخرج الترمذي في جامعه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - لمكة: (( ما أطيبكِ من بلد، وما أحبكِ إلي، ولو لا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيركِ ) ). [1]

فهو- صلى الله عليه وسلم - يحب مكة حباً شديداً كره الخروج منها لغير سبب، ثم لما هاجر إلى المدينة، واستوطن بها أحبها وألفها كما أحب مكة، بل كان - صلى الله عليه وسلم - يدعو أن يرزقه الله حبها كما في صحيح البخاري ( اللهم حبب إلينا المدينة ، كحبنا مكة ، أو أشد ) [2] .

ودعا عليه الصلاة والسلام بالبركة فيها، وفي بركة رزقها كما دعا إبراهيم لمكة، ونلاحظ أن حب النبي- صلى الله عليه وسلم - متأثراً بالبيئة التي عاش فيها، فقد كان يحب مكة، ويحن إليها ثم لما عاش r في المدينة ، وألفها: أصبح يدعو الله أن يرزقه حباً لها يفوق حبه لمكة .

وكذلك كان رسول ا صلى الله عليه وسلم إذا خرج من المدينة لغزوة أو نحوها تحركت نفسه إليها: فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال (( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة ، أوضع ناقته ــ أي أسرع بها ــ وإذا كانت دابة حركها ) )رواه البخاري [3] ، قال أبو عبد الله [4] : زاد الحارث بن عمير عن حميد ( حركها من حبها ) .

قال ابن حجر في الفتح: [5] والعيني في عمدة القارئ [6] ، والمبارك فوري في تحفة الأحوذي [7] ( فيه دلالة على فضل المدينة ، وعلى مشروعية حب الوطن ، والحنين إليه ) .

وفي صحيح البخاري: لما أخبر ورقة بن نوفل رسول ا صلى الله عليه وسلم أن قومه - وهم قريش - مخرجوه من مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أو مخرجي هم) . قال: ( نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي ) ) [8] .

قال السهيلي- رحمه الله -: ( يؤخذ منه شدة مفارقة الوطن على النفس فإن صلى الله عليه وسلم سمع قول ورقة أنهم يؤذونه ويكذبونه فلم يظهر منه انزعاج لذلك، فلما ذكر له الإخراج تحركت نفسه لحب الوطن وإلفه فقال أو مخرجي هم ) [9] .

أيها الأحبة: إن الحديث عن الوطن والحنين إليه وحب الوطن يذكر المؤمن بالله - تبارك وتعالى - بالوطن الأول ألا وهو الجنة.. نعم ذلك هو موطننا الأصلي الذي غفل عنه معظم الناس ( وما أكثُر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) .

قال الفضيل بن عياض - رحمه الله: ( المؤمن في الدنيا مهموم حزين همه التزود بما ينفعه عند العود ، فمن حين خلق الله آدم عليه السلام و ُأسكن هو وزوجته الجنة ثم أُهبط منها ُووعد بالرجوع إليها وصالحوا ذريتهما فالمؤمن أبدا يحن إلى وطنه الأول وحب الوطن من الإيمان ) [10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت