فهرس الكتاب

الصفحة 1843 من 27364

مصعب الطيب

يقول المتنبي:

أومن يغالط في الحقائق نفسه ويسومها طلب المحال فتطمع

ما علاقة قضية المرأة بهذا البيت المعبِّر؟! .. ببساطة شديدة - أيها الكرام - أحاول أن أجيب.

عندما تتأمل مجموعة كبيرة من المنشورات في ساحة النشاط الطلابي - مثلاً - أو حزمة مقالات صحفية أو بعض الكتابات التي تطرق قضية المرأة تجد نفسك (محاصَراً!) بنمط وحيد تجاه المرأة يتحدث عن ضرورة (إقحام!) المرأة في كل الأعمال - والموضوعيون جداً ربما يضيفون على استحياء.."التي تناسبها"!! - ويتحدثون عن مفاسد تعطيل نصف المجتمع والتنفس برئة واحدة! هذا النمط لا يملّ ترديد الدعوة للرجل بفك أسر المرأة وتحريرها وعدم هضمها حقها، ويحذّر بالويل والثبور وعظائم الأمور من عودة التخلّف والرجعية التي تسجن المرأة وتنتهك إنسانيتها!! موجز ما يدعو إليه هؤلاء هو (المساواة) بين الرجل والمرأة، وأن على الرجل أن يمنح المرأة ما استلب (عنوةً) من حقوقها.

وحتى لا يكون لقارئ تلك (الأراجيف) أي فرصة للبحث والتمحيص والتدبر فإنه لا تكاد تمر مقالة إلاّ بعد أن تشن هجوماً كاسحاً وإرهاباً فكرياً عنيفاً على كل من تسوّل له نفسه التشكيك في صحة تلك الدعوى.

وبناءً على الحيثيات أعلاه فإن:

أولاً: (وإجمالاً) هذه دعوى تحمل في سردها ما يكفي لردّها بحمد الله.

ثانياً: نبرة (التنازل والمنح) التي يطالبون بها الرجل، أليس فيها حجة ضد زعمهم هذا؟ وإلاّ فوفق أي منطق يكون الرجل دائماً - عبر كل صفحات التاريخ والمجتمعات - هو الظالم المهيمن؟! كان يجب ألاّ يكون كذلك لو صحّ ادّعاء هؤلاء.

ثالثاً: أمّا (المساواة) فهي خدعة سخيفة تنهار عند أول اختبار عملي؛ فلا شك أبداً أن مطالبة المرأة بالوقوف في صفوف الإجراءات الحكومية - مثلاً - في وهج الهجير مع الرجال، أو نشر إعلان وظائف (لأعمال شاقة) للنساء فقط، أو التصرف معها على نحوٍ لا يليق إلا مع الرجال.. لا شكّ أن هذا إهانة وتحقير لها.. لماذا؟ لأن الأمر بداهةً لا فلسفة فيها هو"المرة ما زي الراجل.."كما تعبّر السجية السودانية ببراءة.

رابعاً: لم يزعم أحدٌ البتة أن (العدل والإنصاف) دائماً في مطلق التسوية! بمعنى أنه يجب أن يساوى بين (المتماثلات) فقط لا غير! ويُفرَّق بين المختلفات.

والتماثل إنما يكون في أسس وأصول الحكم الموجبة للتساوي لا مجرد التشابه في بعض المظهر والمخبر، وإلاّ عُدّ جوراً وظلماً كبيراً وانتهاكاً للحقوق. وأي ظلم أعظم من تكليف النحيل من الناس كلفة الجسيم أو العجوز كلفة الشاب الطرير، ولا حاجة في تقرير حاصل مؤدّاه أن المرأة ليست كالرجل في خلقته وطباعه.

خامساً: ماذا لو تبنّى أحدٌ رأياً يقضي بضرورة (إقحام) المهندسين في مهنة التطبيب بحجة استثمار إمكانيات المجتمع فيما هو أجدى وتشغيل الطاقات المعطّلة والبناء والتعمير، ألا يُعَدّ هذا سفاهةً وسذاجةً منقطعة النظير تستدعي منا دوراتٍ تثقيفية عن"أهمية التخصص"واحترامه، ونتحدث في الصحف عن مخاطر"تقمّص وانتحال الأدوار"في انهيار بنيان المجتمع. وتستدعي منا نشر كتب تنظر في قضية"تنويع التخصصات والمهام"وتعدد مزاياها، ونشجب بشدة - عبر كل أجهزة الإعلام - أي محاولاتٍ للحد من قدر أي تخصص ما، أو تحقير أي وظيفة كانت. ولربما نطالب بأن يُحاكَم صاحب هذه (الخرافة!) بتهمة"الخيانة العظمى"للمجتمع المتحضر!! وإن يكن فما بال أقوامٍ يصرّون على تبخيس دور المرأة في إنشاء الأجيال وصيانة بيت الزوجية؟ وقديماً قيل: (إذا كان الرجال هم الذين يصنعون الحضارة؛ فإن النساء هنّ اللاتي يصنعن الرجال) ، ولماذا يتمسك أولئك بزج المرأة في مهام تخرجها عن حياتها وأنوثتها، وتعكّر عليها عفتها، وتُطْمِع في نفسها مَن في قلبه مرض وتخرجها -من قبل- من أنبل وأشرف الوظائف التي هي أهلها:

الأم مدرسةٌ إذا أعددتها أعددتَ شعباً طيّب الأعراقِ

سادساً: قضية المرأة (صناعة رجالية) تأليفاً وبطولةً وإخراجاً - وعلى حدّ زعمهم - فالرجال هم الذين تعسّفوا وظلموا ابتداءً، ثم تنادموا فأدانوا، ثم تواطئوا على لزوم (اقتلاع!) حقها منهم انتهاءً! بينما يبقى صوت المرأة مهما ارتفع على هامش الصراع. فماذا يعني هذا؟ نحيل السؤال بطبيعة الحال إلى أولئك النفر من (الرجال) ..

سابعاً: زخم معركة المرأة.. (المفتعل) يوحي بشكل واضح (وفاضح) إلى أن ثمة"مآرب أخرى"تتخفى خلف ذلك الحماس الجهير للقضية وسيل دغدغة المشاعر الأنثوية والإطراء المنمّق والتشبث المريب لكل ما من شأنه توطيد العلائق خارج إطار الزوجية.

إن أكبر الإهانة والتحقير لمكانة المرأة يوم تكون (وسيلةً) لأغراض ساقطة ومرامٍ سافلة تمارس باسم الدفاع عن حقها و (أداةً) لإشباع الرغبات الحرام بدعوى (الصداقة البريئة !!) فأي مغالطة للحقائق أعظم من هذا؟! ولنا عودة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت