فهرس الكتاب

الصفحة 3905 من 27364

أ.د. نادية محمود مصطفى

قضية المرأة والنهوض بأوضاعها لا تنفصل عن البرامج التنموية التي يتم من خلالها تحويل تلك الغاية لواقع ملموس، ولا تنفصل عن التشريعات التي تتغير لتوافق ذلك.

وهناك العديد من العوامل التي تتداخل مع عملية التغيير ومسارها واتجاهها: فهناك مسألة التشريع والدور الذي تلعبه جماعات المصلحة التي تضغط لتغييره، وتشكيل النخب الفاعلة داخل هذه الجماعات (والنخب والجماعات البديلة المحجوبة) ، وهناك المصالح الخارجية والاتفاقات الدولية التي تفرض إعادة تشكيل القوانين الوطنية وما يتداخل معها من عملية التفاوض التي تتم عبر الأجهزة الرسمية من أجل المشاركة في صياغة المواثيق الدولية حال صناعتها، وهناك دور المجتمع المدني الأجنبي في دعم توجهات بعينها وبناء شبكات تحالفات دولية في ساحات المجتمع المدني العالمي، وغيرها من هموم صياغة الأنساق الاجتماعية والقانونية، المحلية والدولية.

القضية -بحق- أكبر من حدود مقال أو دراسة، بيد أن إثارة قضية التمويل الأجنبي للبرامج التنموية التي تعيد تشكيل الواقع على أرضية حياة الناس اليومية تستحق تحليلا أوليًا نجتهد في تلمس أبعاده.

ولعل أهم هذه الأبعاد تشابكات السياق العالمي والوطني الذي أفرز قضية التمويل الأجنبي في مجال قضايا المرأة، وعواقب هذا التمويل ودلالاته، وأبعاد المقارنة بين النموذج التغريبي الذي يحمله التمويل الأجنبي معه ويسعى لفرضه وبين النموذج الحضاري الإسلامي الذي ينبع من واقعنا ورؤيتنا الوجودية، والذي قلما يجد من يدعمه ماليًا، وإذا وجد فما تلبث حسابات التنافس السياسي والتحزب أن تُحجِّم دوره لتلقي السياسة بظلالها على الاجتماع الإنساني، ويصبح التساؤل: ما هي البدائل اللازم توفيرها لتقليص الاعتماد على التمويل الأجنبي وتحقيق تنمية مستديمة ووطنية، وأفق ذلك على أية حال في ظل تضاؤل الهامش الديمقراطي الراهن الذي هو شرط أي مشروع نهضوي مستقل؟.

التمويل وسياسات العولمة

ليس جديدًا القول بأن السياق الذي أفرز التمويل الأجنبي في مجال المرأة هو سياق العولمة، فنحن في مرحلة عولمة قضية المرأة منذ الربع الأخير من القرن العشرين، وذلك بعد أن شهدت القضية -منذ نهاية القرن الـ 19 وبداية القرن الـ 20- مرحلة عصر التحديث ثم عصر ما بعد الاستقلال الوطني، وأثرت طبيعة كل مرحلة على تنوع وتطور خطابات وأفكار تحرير المرأة، وعلى درجة التدخل الخارجي وشكل العلاقة بين الاتجاهات والقوى الاجتماعية والثقافية في عالمنا العربي والإسلامي، ثم صار لمرحلة العولمة أيضًا خطابها، وبرز التأثير الخارجي على قضية المرأة في ظل العولمة، فلقد كان اختراقًا من قبل الكتلة الرأسمالية العالمية التي قادتها الأمم المتحدة، والتي أرادت أن تقنن مذهبها لتلتزم به دول العالم فيما يتصل بتغيير أوضاع المرأة لتتوافق مع احتياجات السوق العالمية، وما ينشده من تفكيك للقيم وللوحدات الاجتماعية التي تدعم الفرد كي يقف وحيدًا أمام السوق، بل ولتصبح المرأة ذاتها سلعة في كثير من قطاعات هذه السوق الخدمية.

ولم يكن التمويل الأجنبي إلا إحدى أهم آليات وسبل هذا الاختراق الخارجي المقنن تحت راية الشرعية الدولية لإعادة رسم خرائط المجتمعات في شتى أنحاء العالم، بما استنفر قوى مناهضة العولمة سواء أستندت لأفكار أيدلوجية أم دينية أم قومية؟.

ولقد تعددت الأجهزة والمؤسسات والوكالات الدولية المانحة المرتبطة بسياسات الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، وبالمنظمات الإقليمية المتعاونة معها. وكان مجال عملها في هذه الحالة هو الثقافة والمجتمع من خلال مدخل المرأة و"جندرة"أجندتها إعلاءً للفردية وللسوق الرأسمالية على ما عداه من معايير التحرر. وفي المقابل، لم تعدم الساحة الوطنية - ظهور مراكز قوى ثقافية واجتماعية راغبة وقادرة على التعاون والتمرير لتلك الأجندات ودعمها والترويج لها، ناهيك عن الحكومات ذاتها التي تسعى لتأكيد اندماجها في النظام العالمي، من خلال قبول سياساته العولمية، سواء في التجارة أو حقوق الإنسان أو المرأة. وبذا، لحق بمجموعة مراكز القوى الاقتصادية والمالية التي ارتبطت بالنظام الرأسمالي العالمي منذ موجة سياسات الانفتاح والتحرير والليبرالية التي اجتاحت العالم الثالث منذ أواسط السبعينيات، لحق بها معها مجموعة أخرى من مراكز القوى الثقافية والاجتماعية التي تتحالف بدورها مع مؤسسات دولية تضع وتطبق برامج وسياسات دولية خاصة بتغير أوضاع المرأة.

ويتجلى عبر فهم وتحليل هذا الوضع أكثر من دلالة ومغزى وعاقبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت