فهرس الكتاب

الصفحة 17584 من 27364

د.عبدالعزيز بن مصطفى كامل

خلف كل مواجهة ميدانية، أو منازلة عسكرية، صغرت أم كبرت، صراع بين فكرة وفكرة، أو بين عقيدة وعقيدة، أو رؤية ورؤية، تعكس كل منها مصلحة أو مطمعاً أو رغبة في العلو بالحق أو بالباطل، وهذه كلها تنتهي إلى تنازع بين قناعات وقناعات وبين مناهج ومناهج؛ إذ لا يمكن أن تتحرك الإرادات على أرض الواقع دون دوافع في العقول والقلوب والضمائر، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في قول الله ـ تعالى ـ: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 40] . وقال ـ تعالى ـ: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 251] ، والمعنى من الآيتين: لولا دفعُ اللِه بأسَ المشركين بممانعة وجهاد الموحِّدين، وحكمهم بالوحي المنزَّل، لزاد الفساد واستحكم الظلم، وحُرِم العباد من عبادتهم لربِّ العباد. فالتدافع هو الأصل بين سبيل الأبرار والفجار، ليس في ميادين المعارك العسكرية فقط، بل قبل ذلك في ساحات المواجهة الفكرية، وحقيقته صراع بين من يحملون المنهج السوي من أتباع الرسل، وبين من يحتمون بسواها من ملل الجهالات والمقالات والأهواء. قال ـ تعالى ـ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} . [إبراهيم: 13 ـ 14]

ولكن الصراعات تكون أيضاً بين باطل وباطل، وقد يكون ذلك خيراً لأهل الإيمان، كما كان الصراع بين الفرس والروم، حيث أنْهَك كلٌ منهما الآخر، لتَسهُل المهمة بعد ذلك على عباد الله الموحدين في الانتصار عليهما.

صراعات عصرنا ليست استثناء في كون أصلها صراعاً بين عقيدة وعقيدة، أو فكر وفكر؛ فتطورات وتفاعلات الأحداث في النزاعات الكبرى، أكَّدت دائماً أنه كان خلف كل نزاع عسكري أو سياسي منها، اختلاف منهجي وفكري. ولو تأملنا في الحروب الدولية الكبيرة، لوجدناها تعكس ذلك بوضوح صريح؛ فالحرب العالمية الأولى كانت في حقيقتها صراعاً بين الأفكار والرؤى والأيديولوجيات التي تحولت إلى أزمات، حيث كانت الأفكار الشيوعية قد بدأت في التبلور في بدايات القرن العشرين، لتفجر الثورة الروسية التي تصدرت لمقاومة الأفكار الرأسمالية التي كانت تتحرك بها أطماع الغرب.

وجاءت الحرب العالمية الثانية، لتشعل صراعاً جديداً بين أفكار النازية (1) ، والفاشية (2) من جهة؛ والرأسمالية الليبرالية من جهة ثانية، ثم أعقبتها الحرب الباردة، التي امتدت إلى نهاية القرن العشرين، وكانت صراعاً بين فكرة الليبرالية الرأسمالية أيضاً، والماركسية الشيوعية.

لكن ما كان يميز كل تلك الصراعات بشِقَّيْها الفكري والعسكري، أنها كانت بين باطل وباطل، من طوائف الضلال المختلفة من كتابيين وملحدين ووثنيين، وما قد يلحق ببعضهم من فئام الجهلة أو المنافقين في بلاد المسلمين.

أما اليوم، فالصراع الدولي الناشب في ميادين متعددة على أرض العالم الإسلامي يمثل نوعاً آخر، لم يكن للبشرية عهد به منذ قرون؛ إذ يتضح يوماً بعد يوم أنه صراع واضح بين الحق الصريح والباطل الصارخ، أي بين حق الإسلام، وباطل الأعداء، الذين تأتي الصهيونية الأمريكية ـ بشِقَّيْها: اليهودي والنصراني ـ في مقدمتهم، حيث أطلقت الولايات المتحدة حربها التي سمتها (الحرب العالمية على الإرهاب) بعد أن لعبت بمصطلح (الإرهاب) لكي يكون مرادفاً للإسلام شيئاً فشيئاً، ولكي يكون هذا المصطلح صالحاً لأن يطلق على أشخاص دون أشخاص، ودول دون دول، وجماعات دون جماعات، وممارسات دون ممارسات، كما عُرف ذلك من مواقف الأمريكيين وحلفائهم من الإرهاب الصهيوني في فلسطين، والروسي في الشيشان، وإرهاب عملاء أمريكا في كل مكان، وكذلك إرهاب أمريكا نفسها في أفغانستان والعراق والصومال والسودان ولبنان، وغيرها مما قد يأتي بعدها.

وعندما شنت الولايات المتحدة حربها العالمية على ما أسمته (الإرهاب) ، جعلت جزءاً رئيساً من هذه الحرب الصليبية، مواجهات فكرية، تستهدف حضارة وثقافة وقيم الأمة الإسلامية، وقد استلزم ذلك أن يبدأ الأمريكيون عملية تضليل كبرى، لصرف المسلمين عن أُصول دينهم، وأُسس شريعتهم وعقيدتهم، لتَحُل محلها ما يُسمونه (قيم الغرب) الداعية إلى (الليبرالية) بجميع أنواعها في السياسة والاقتصاد والاجتماع والدين والثقافة والإعلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت