فهرس الكتاب

الصفحة 3179 من 27364

د. بدران بن الحسن

في ظل هذه التحديات في مستواها العلمي، والسياسي، والاجتماعي، والحضاري، وبخصائص العولمة المتميزة بارتباط المصير الإنساني ببعضه البعض، وبإفلاس الأديان الأخرى أمام تحديات العلم، وهيمنة النموذج الغربي، الذي أصبغ فوضاه على العالم، فأصبحت أزمته أزمة عالمية، تأثرت بها كل الأمم والمجتمعات، إضافة إلى أزمتنا الخاصة بنا. وفي سبيل مواجهة التحديات التي يطرحها عصر العالمية، سواء على مستوى تحدي النموذج المعرفي، أو تحدي الأزمة الأخلاقية، أو تحدي الفساد الكوني.

في هذا كله، ما هو دورنا؟ وما العمل الذي يقوم به المسلم حتى يحفظ ذاته من الذوبان؟

وكيف يساهم في حل أزمة الإنسانية التي تنتظر منقذاً، يرفعها من مهاوي الإخفاق والجدل الوضعي وأوهام المادية، إلى مستوى نور الهدي الرباني، واستقامة المنهج، ووضوح الرؤية القائمة على التوحيد لله - عز وجل -؟

لا شك أن المأزق العالمي، الذي تعيشه الإنسانية إن على مستوى الروح أو المادة أو العقل وإن على مستوى الحضارة بعمومها، لا يمكن مواجهتها بالانكفاء على الذات، أو بالاستقالة من مجال صناعة التاريخ، كما"لا يمكن مواجهته بانفعال عاطفي بالإسلام، أو إيمان نظري بقدرة الإسلام على حل مشكلات البشرية، وأنه صالح لكل زمان ومكان" (1) .

وإذا كان العالم اليوم موحد في مصيره، ويتوجه نحو تجميع قواه في صورة مصير مشترك، قد يصاغ على غير ما نرغب، وأن البشرية صارت تعمر الأرض، وكأنها في عمارة واحدة تتقاسم طوابقها الأمم، تربطهم وشائج، مهما كانت هذه الوشائج. فما هو دورنا نحن؟

فهل نتمثل قول الشاعر:

وما أنا إلا من غزية إن غوت *** غويت وإن ترشد غزية أرشد

أم هل نتبع سنن من سبقنا إلى الحضارة والتقدم، شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى إذا دخلوا جحر ضب دخلناه (2) ؟ أم هل يكون لنا دور؟ فنوطن أنفسنا، جاء في الحديث:"لا يكون أحدكم إمعة يقول إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس فأحسنوا وإن أساؤوا تتجنبوا إساءتهم" (3) ، وننقذ سفينة البشرية من الغرق، وننجو وينجو معنا غيرنا، كما جاء في الحديث النبوي الشريف:"مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها..." (4) .

إن أي دور للمسلم في هذا العصر، لا يمكن تصوره إلا دوراً قائماً على ركائز نحسبها مهمة، هذه الركائز تضبط هذا الدور، وتؤصله، وتحقق فيه الفعالية، وتمنحه الوعي، وتجعله عملاً محققاً للقدوة العلمية والعملية. هذا الدور يقوم على نظرية واضحة عمادها الوحي إطاراً وتصوراً، والواقع ممارسة وإعماراً.

ومن أهم هذه الركائز التي تشكل ضامنا لتجاوز التحديات والحفاظ على كينونتنا الحضارية نجد الوعي بالذات الإسلامية، والوعي بخارطة الواقع الحضاري، وتكامل الأصالة والفعالية، ودخول التاريخ من باب الواجب، وتقديم نموذج عملي للإسلام مثلما كان على عهد السلف الصالح.

والوعي بالذات الإسلامية أمر ضروري، ومهم ودونه لا يمكن أن نحل مشكلاتنا، ولا أن نبلِّغ الهداية إلى الآخرين، ورسالتنا في عصر العالمية تتحدد بمدى فهمنا وتمثلنا للقيم الإسلامية، ولا يمكن أن نحقق التغيير المطلوب إذا لم نرتفع إلى مستوى الإسلام؛ لأننا لكي يتحقق التغيير في محيطنا يجب أن يتحقق أولا في أنفسنا، وبذلك تتوافر شروط رسالة المسلم في هذا العصر، وإلا فإن المسلم لن يستطيع إنقاذ نفسه ولا إنقاذ الآخرين.

ثم إذا كان منهج الرسالة يقتضي التغيير، والتغيير يقتضي تغيير ما بالنفوس أولا، إذا كان منهج الرسالة يقتضي هذا، فإننا نستطيع أن نتكلم عن وسائل الرسالة أو الطرق العملية لتطبيق هذه الرسالة كي تفي بمهمتها، ألا وهي الإنقاذ أو مواجهة حالة إنقاذ أو حالة طوارئ تخص المسلم وتخص الإنسانية عامة. عندها يجب على كل مسلم أن يحقق بمفرده شروطاً ثلاثة: أن يعرف نفسه، وأن يعرف الآخرين، وأن يعرف الآخرين بنفسه ولكن في الصورة المحببة (5) . والأمر هنا يتمثل في الانسجام مع أهداف وغايات الرسالة الإسلامية، والتطابق معها، على مستوى التصور العقدي، وعلى مستوى الممارسة العملية.

والوعي بالذات الإسلامية يعني تحقيق وتمثل المثل الإسلامية، وأن يعيشها الفرد المسلم والمجموع، وأن تصبح صبغة لمفردات الحياة اليومية للمسلم، وليس فقط التلفظ بعبارات التوحيد والتوكل والرضا والإتقان للأعمال، وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت