فهرس الكتاب

الصفحة 22237 من 27364

محمد عبده

حوار: عبد الله الرشيد

14/3/1428هـ الموافق له 02/04/2007م

(الجماعات الإسلامية انفصلت عن جسد الأمة، وأفكار سيد قطب كانت سبباً في ترسيخ هذا الانفصال، لقد أصبحت الجماعات الإسلامية تربي أتباعها تربية حزبية متقوقعة على الذات، وتختار نخبة من الشباب المتعلم حتى تخطط للدخول في الانتخابات) .

ربما لا يكون مثل هذا النقد الموجه لأداء الجماعات الإسلامية جديداً اليوم، لكنه سيكون جديداً ومختلفاً جداً حين يصدر من شيخ ارتبط اسمه بمجلة البيان الإسلامية منذ صدورها، ولا تزال كتبه ومقالاته متداولة بين الإسلاميين الحركيين بالسعودية.

ربما يفسر البعض كلام الشيخ محمد العبدة على أنه"انشقاق"أو"تمرد"أو"انقلاب"على التيار الذي ينتمي إليه، لكن العبدة ينفي ذلك بكل هدوء وهو يضحك قائلاً: (أنا لم أكن"حزبياً"في يوم من الأيام حتى أُتّهم بمثل هذه التهم) .

يشن العبدة في حديثه لشبكة (الإسلام اليوم) هجوماً عنيفاً على (مرض الحزبية) الذي انتشر في كل الجماعات الإسلامية، ويوجه سهام نقده نحو قادة تلك الجماعات الذين ساهموا في"عزل الجماعات عن الأمة، وكرسوا الحزبية بين أتباعهم"، مطالباً بأن"يتحول العمل الإسلامي إلى تيار شعبي عام، الكل يحمل فيه هم الإسلام"، ويؤكد العبدة أن الجماعات الإسلامية المشاركة في الانتخابات بالعالم العربي لم تفز بذاتها وقدراتها؛ وإنما لأن"الشعوب رأت البلاء والعذاب من الأحزاب الحاكمة، وتعبت من الفساد ونهب الأموال، وتبحث عن بديل أياً كان".

ومع أن العبدة يرى أن هناك"رغبة من قادة الجماعات بألاّ يتوجه أتباعهم نحو التعمق الثقافي حتى لا يثيروا الأسئلة المشاكسة"؛ يتحفظ العبدة على فكرة التعددية الثقافية والسياسية، وفكرة الرأي والرأي الآخر، معتبراً أنها دعوة غريبة جداً وغير مقبولة"فأمريكا نفسها لا يوجد فيها تعددية، ولا تقبل بمثل هذه الشعارات".

يذكر أن الشيخ محمد العبده الذي وُلد في بسوريا بمنطقة الزبداني قد تخرج من كلية الحقوق بجامعة دمشق، وانخرط في صفوف الحركة الإسلامية السورية أثناء تعليمه الثانوي والجامعي، ويصر العبده على أنه لم يكن منتمياً انتماء رسمياً إلى جماعة الإخوان المسلمين بسوريا آنذاك.

غادر سوريا إلى السعودية عام 1966م مدرساً بالمعاهد العلمية فيها، ثم عاد إلى بلاده خلال فترة الانقلابات، وأحداث حماة، وبقي سنتين ليغادر سوريا بعدها نهائياً سنة 1980 نظراً للملاحقة والطوق الأمني الذي فرضته أحداث تلك المرحلة، استقر في لندن، وعمل رئيساً لتحرير مجلة البيان الصادرة عن المنتدى الإسلامي منذ تأسيسها سنة 1986م وحتى عام 1993م، ويتفرغ العبده حالياً في مقر إقامته بلندن للكتابة، والبحث، والتأليف.

فإلى تفاصيل الحوار:

وجّه العبده انتقادات للجماعات الإسلامية؛ فمن خلال بعض المقالات أكدت أن"القضية اليوم ليست قضية جماعات، وإنما قضية أمة لم يعد لها كلمة مسموعة، وليس لها ثقل سياسي تفرضه على الآخرين"، وطالبت بأن"يتحول العمل الإسلامي إلى تيار شعبي، الكل يحمل هم الإسلام حتى لا تبقى الدولة جسماً منفصلاً عن الأمة"فهل تدعو إلى حل الجماعات الإسلامية وتفكيكها؟

لا أنا لا أقصد هذا، أنا أقصد أن الجماعات الإسلامية يجب أن تصلح نفسها، وتتهيأ لدور أكبر من مسألة الجماعات، فالوضع في العالم العربي والإسلامي يقتضي أن يكون هناك مشاريع أكبر من قضية جماعات، أنا لا أقصد تفكيك الجماعات أو حلها، بل أنا أؤكد أن الجماعات قامت بدور جيد ورائع في بدايتها، ولكن الآن هناك صعوبات وتحديات، فيجب أن تهيئ الجماعة نفسها لوضع أكبر وأشمل من مسألة الجماعات لنستطيع أن نواجه التحديات هذا ما أعنيه، فالجماعات الإسلامية حققت جزءاً من الأهداف التربوية، وهناك أهداف لم تحقق طبعاً، فلم يحصل تغيير في الشعوب العربية بحيث تتبنى هي الإسلام، ولا يزال المد الاشتراكي والقومي والناصري موجوداً.

* لكن ألا تعتقد أن وجود مثل هذه الامتدادات هو أمر طبيعي؟

هذا صحيح، لكن التغيير الذي نريده وإصلاح البلاد العربية هل تم شيء منه بحيث نتلمسه ونحسه؟ فقط انحصر العمل في القضايا التربوية، ولم تساهم الجماعة في قضايا اقتصادية كبرى لمصلحة الأمة مثلاً.

* كأنك تعني بكلامك هذا جماعة الإخوان المسلمين والسلفية الحركية، لكن لو طرحنا نظريتهم حول الموضوع بأن الإصلاح الاقتصادي والتغيير الجذري لا يتم إلاّ من خلال بناء قاعدة صلبة تنطلق لتصل إلى القمة بحيث تكون التربية هي المنطلق الأول للتغيير ما رأيك؟

هذه نظرية مثالية من حيث الواقع، فالقاعدة تحتاج إلى قيادة، والشباب من طلبة العلم والدعاة والعلماء هم قادة الأمة، والواقع أن الجماعات الإسلامية انفصلت عن الأمة، وأخذت جزءاً بسيطاً من الأمة وهو الشباب المتعلم، وشرعت في تربيته؛ وهذا جهد لا بأس به، لكنها انفصلت عن الأمة وعن الشعب والجماهير فأصبحوا وحدهم، والأمة لا تعرف أفراد الجماعات إلاّ على أنهم أناس طيبون ومتدينون، فلا يوجد التحام بين الجماعات والأمة الإسلامية، نحن نريد أن نردم هذه الفجوة، وأن نرسخ التلاحم بين الدعاة والعلماء وبين الأمة، والأمة ستحمل معهم عبء التغيير نحو الأفضل والأحسن، فحالتنا العربية والإسلامية حالة ضعيفة.

هل ضعف الأمة الإسلامية بشكل عام كان سبباً في أن تكون الحركات الإسلامية ضعيفة هي الأخرى؟

لا، أنا لا أتكلم عن ضعف الجماعات، أنا أتكلم عن التلاحم بين الناس، الملايين من الناس الذين يحملون الخير والود أين خدمة الجماعات لهم؟ هم فقط يخدمون قطاعاً بسيطاً من الشباب المتعلم.

الشاب المتعلم والمنتمي للجماعة أيضاً؟

نعم والمنتمي للجماعة ثم تبدأ الحزبية، ويخدموا أنفسهم فقط، فالأمة التي تريد أن تشاركهم في مشروع الإصلاح والتغيير هم بعيدون عنها.

نحن مازلنا في العموميات، فأنت لم تحدد جماعة بعينها، وهذا يدخلك في إشكالية عدم وضوح النقد، ربما يقول قائل: إنك تنتقد جماعة"ما"لتبرئ ساحة الجماعة التي تنتمي إليها؟

أنا أتكلم بشكل عام ولا أقصد جماعة بعينها، الجماعات الإسلامية فيها أخطاء كبيرة وأمراض، ولا أخص جماعة بعينها وإنما الجماعات ككل، فحين أتكلم عن مرض الحزبية فأنا لا أقصد جماعة بعينها، فهذا المرض موجود فيها جميعاً سواء قل أو كثر.

بالعودة إلى مسألة إغراق الجماعات الإسلامية في الجانب التربوي لو سلمنا بأن النظرية التربوية لدى الجماعات الإسلامية صحيحة؛ هل ترى أن العملية التربوية داخل الجماعات قد حققت أهدافها؟

هذا موضوع آخر، هل المناهج التربوية صحيحة؟ وهل تحتاج إلى تطوير وتعديل؟ هل هناك تجديد في وسائل التربية؟ وهل هناك دراسة لجدوى هذه الوسائل؟ هذه قضية أخرى، أنا أتكلم عن قضية اقتطاع جزء من المجتمع، وتربيته بمعزل عن الأمة، وهذه الإشكالية التي أود التأكيد عليها، وهذه أحد الأسباب التي تعيق تحقيق أهداف الإسلام.

لكن لو ألقيت نظرة على خطاب الجماعات الإسلامية في أي بلد عربي لوجدته أكثر الخطابات جماهيرية وشعبية واندماجاً مع الأمة إذا ما قارنته مع خطاب أي جماعة أو تيار فكري آخر، فجماعة الإخوان المسلمين في مصر مثلاً من الصعب أن تقول إنها منفصلة عن الأمة إذا رأيت جماهيريتها، وفوزها في الانتخابات، فماذا تقصد بالانفصال عن جسد الأمة؛ هل تقصد العمل السري داخل الجماعات؟

نعم العمل السري هذا جزء مما أعنيه.

لكن الحكومات تضطر الجماعات الإسلامية إلى هذا النوع من الأساليب؟

العمل السري إذا طالت مدته يفسد الأفراد بحيث تصبح شخصيتهم غير سوية، وغير مكتملة.

لكن حول قضية نزول (جماعة إسلامية) للانتخابات وفوزها أنا أعتقد أن الناس اختارتهم لأنهم رأوا البلاء والعذاب من الأحزاب الأخرى العلمانية أو اليسارية التي فقدت مصداقيتها، ونهبت البلاد العربية، فطبيعي أن الناس يتحمسون، ويصوتون للمتدينين؛ لأنهم تعبوا من الفاسدين، وكما حصل في تركيا الذين انتخبوا أردوغان انتخبوه ليس لأنه رجل متدين وإنما لأنه رجل نظيف، فالشعوب تعبت من الفساد، ونهب الأموال، وتبحث عن بديل أياً كان.

طيب ألا يعني هذا أنهم حاضرون ومتصلون بالأمة؟

حضورهم محدود، ولا توجد صلة كبيرة، الجماعات الآن تبني جسماً منفصلاً عن الأمة، وتبدأ تصنف الناس، هذا معنا وهذا ليس معنا، وقد يكون من هو خارج الجماعة أفضل ممن هو بداخلها، لكن للأسف لا يُعطى أهمية لأنه خارج هذا الجسم، وقد يكون أفضل خبرة وعلماً وعطاء، بينما خالد بن الوليد - رضي الله عنه - يُسلم في السنة السابعة، ويقود الجيوش في السنة الثامنة، فالمقصود تفعيل الطاقات والاستفادة منها، بينما هنا الحزبية تعطل الطاقات.

هل تعتقد أن الجماعات الإسلامية تنظر بدونية لما يسمى العامة؟

نعم هناك نظرة دونية للعامة من قبل الجماعات الإسلامية، وأن هؤلاء العامة لا فائدة منهم، هم يختارون نخبة من الشباب المتعلم الجامعي أو الثانوي، ثم يخططون للدخول في الانتخابات، أما هؤلاء العوام فيسوقهم واحد فقط، هكذا النظرية لدى الجماعات مع الأسف، ولذلك تجدهم حين يلتقون مع أناس من خارج الجماعة يلتقون بنوع من التشنج والحذر، لا يلتقون مع الآخرين بنوع من الراحة وسعة الصدر، ولذلك جيل الصحابة أصبح متميزاً؛ لأنهم لم يتربوا تربية فيها شيء من القهر والعبودية.

لكن الجماعات الإسلامية لديها نظرية"الحفاظ على المكتسبات"، والخوف على الأتباع أن ينخرطوا في المجتمع، وتضيع رسالتهم؟ ما رأيك في هذه النظرية؟

يعني عندهم"شوية كتاكيت"يريدون الحفاظ عليهم، هل هذا منطق؟ المفروض أن نحافظ على الأمة، إذا كنت أنت تخاف على أتباعك أن ينخرطوا مع الآخرين؛ فأي تربية هذه لا تكون فيها ثقة بالنفس، ثم إن الأصل ليس هذا الشاب الذي تخاف عليه وإنما الأصل هو الأمة، والجماعات وسيلة لظرف معين، وربما لا يكون لها دور في ظرف آخر، لكن الجماعات الآن قلبت الآية.

هل أصبحت الجماعات الإسلامية بحد ذاتها غاية؟

قادة الجماعات لا يصرحون بهذا الشيء، لكن مصطلحات مثل"الحفاظ على المكتسبات"، و"مصلحة الدعوة"، و"مصلحة الجماعة"؛ كلها تؤكد أنها أصبحت غاية بحد ذاتها في عقولهم.

صحيح أن الموضوع كبير، ولكن يمكن حصره في قضية واحدة وهي أن هناك نوعاً من الانفصال عن المجتمع، والحزبية تغذي هذا الانفصال، فننفصل عن المجتمع ثم نريد منه أن يكون معنا، فالتلاحم مع المجتمع ضرورة؛ لأن المجتمع الإسلامي المفروض أن يحمل هو هم رسالة الإسلام وليس مجموعة من الشباب فقط.

ألا تعتقد أن الجماعات من حقها أن تستفيد من أتباعها الذين ربتهم، وعرفت مواهبهم، بدلاً من أن تتعامل مع آخرين من خارجها لا تعرفهم ولا تعرف حقيقتهم؟

لكن هذا ليس من هدي الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت