الآن المجتمعات كبيرة ومتنوعة، والناس مشاربهم وأفكارهم مختلفة؟
صحيح أنا معك، لكن لو وُجد شخص أثناء العمل غير منتمٍ لهذه الجماعة؛ ويصلح لأن يكون قيادياً فهل فعلاً يُستفاد منه؟ لا، لا يُستفاد منه، ومثله أي عالم كبير أو مفكر، أو مثقف لا يُستفاد منه مادام خارج الجماعة، وهذا حصر للشاب داخل ثقافة معينة مغلقة بحيث لا يُسمح له بأن يستفيد من عالم أو مفكر آخر، ولما سُئل ابن تيمية عن هذه القضية وهل يجوز للشيخ أن يطلب من تلاميذه ألاّ يأخذوا العلم من غيره فقال: لا يجوز.
والجماعات إذا أرادت الإصلاح، وأخذت الأمور بتقوى وتجرد لله، وحرص على الأمة؛ فلابد أن يكون هناك تجديد وإصلاح من الداخل، فهناك تحديات كبيرة جداً لا يمكن لجماعة واحدة أن تواجهها، وإنما لابد للأمة الإسلامية أن يكون عندها علم، ويرفع مستواها العلمي والإيماني حتى نستطيع أن نواجه هذه التحديات.
لكن المشكلة أن كل جماعة تختزل الإسلام في رؤيتها؟
نعم وهذا نتاج من مرض الحزبية، الجماعات تقوم على تربية أتباعها تربية حزبية متقوقعة على الذات حتى لا يستفيدوا من الآخرين ممن هم خارج الجماعة.
كيف يمكن إصلاح واقع الجماعات الإسلامية وفق رؤيتك التي تؤكد فيها أنها انفصلت عن جسد الأمة؟
القضية أولاً هي قضية تربوية، كيف يمكن للمربي أن يربي أتباعه وتلاميذه على الحيادية والإخلاص، ويقول لهم خذوا من غيري حتى يتربوا على هذا المنهج.
يأخذوا من غيره مطلقاً؟
يأخذوا من غيره إذا كان صواباً.
من يحدد هذا الصواب؟
على المربي أن يربي تلاميذه، ويمدهم بالزاد العلمي والفكري والعقلي بحيث يستطيعون أن يفرقوا هم بين الصواب والخطأ، أما إذا رباهم على ألاّ قدرة لهم على التلقي ومعرفة الصواب، وأن الصواب عنده فقط وعند جماعته؛ فهذه تربية غير صحيحة، لكن يربيهم على المنهج السليم، ولا يخاف عليهم إذا قرؤوا لغيره، فلابد ألاّ تكون التربية حزبية، ويجب أن تسعى الجماعات إلى أن تتلاحم مع الأمة وجماهيريها عن طريق العلماء والوعاظ، والمثقفين والكتب.
أنا سبق وكتبت مقالاً بعنوان (تعميم التعليم) ضربت مثالين من زمن الرسول - عليه الصلاة والسلام - والخلفاء الراشدين؛ حين كانت الفروق بين الشعب والعلماء والقادة فروقاً بسيطة وليست كبيرة مثل الآن، مثلاً يعترض على عمر - رضي الله عنه - عجوز أو أعرابي، معناه أن هناك ثقافة إسلامية مشتركة، ولا توجد فجوة كبيرة بين العالم والداعية وعوام الأمة، الآن يوجد فجوة كبيرة، وضربت مثالاً ثانياً الدعوة هنا في نجد سابقاً كان هناك درس في المسجد يقيمه يومياً ما كان يسمى (المطوع) ، وهذا المطوع ربما لا يكون لديه علم كثير، لكن لا بد أن يقرأ يومياً من رسائل الشيخ محمد عبدالوهاب فأصبحت الثقافة سهلة ومشتركة.
لكن هناك جهل كبير خاصة في أمور العقيدة والتوحيد بين عوام البلدان العربية الأخرى، إذن لا بد أن نرفع مستوى الأمة ونعمم التعليم، ونردم الفجوة بين العلماء والعامة.
هل هناك إنتاج ثقافي أو أطروحات فكرية ساهمت في ترسيخ هذا الانفصال بين الجماعات الإسلامية والأمة كما تقول؟
لا شك أن طبيعة تأسيس الجماعات فيها انعزال عن المجتمع، واستراتيجية الجماعات لم تكن واضحة في هذه النقطة، وأعتقد أن المصطلحات التي ذكرها سيد قطب مثل (العزلة الشعورية) فيها إبهام وغموض، وكانت لها آثار سلبية؛ فلم تكن أفكاره واضحة، وأسيء فهمها، مثل ذلك مصطلح (المجتمع الجاهلي) مصطلح غامض، ولا يصح إطلاقه هكذا، وهذه الأفكار كان لها سبب في انفصال الجماعة عن الأمة.
اتخذت الجماعات الإسلامية أشكالاً هيكلية تقليدية، هل تعتقد أن هذه الهيكلية تعيق النهوض من أجل مواجهة التحديات والاتصال بالأمة؟
الأنماط الهيكلية قد تكون مهمة في زمن من الأزمان، لكن أن تستمر الجماعات على الشكل الهرمي فهذا يولد الحزبية، فمن في الأسفل لا يعرف من هو في الأعلى، بل قد ينظر إليه بشكل مقدس لأنه لا يعرفه، لكن إن رآه ووجد منه بعض الأخطاء سقط من عينه، ربما تكون أخطاؤه بسيطة لكن اختفاء وتواري القيادات يورث هذا التقديس، وهذا حصل ورأيناه.
هناك أمر آخر وهو أن الوصول إلى القيادة داخل الجماعة لا يتم إلاّ عن طريق السمع والطاعة، والسكوت وعدم الاعتراض، أما الأعلم و الأحكم فلا يصل إلى القيادة.
ما الحل الذي تراه لهذه المشكلة؟
كما قلت في البداية أنا لا أدعو لحل أو تفكيك الجماعات، لكن أريد أن يتحول العمل الدعوي إلى أن يكون مع الناس، وبذلك نحل هذه المشكلة.
كيف يؤثر الشكل الهيكلي والنمط الحزبي في بناء فكر وثقافة الجماعة؟
نعم دعني أضرب لك مثالاً: قد تتبنى الجماعة قبل عشرين سنة كتاباً يقرؤونه ويتدارسونه، ويستمر تقريره طول هذه المدة، وربما صدرت كتب أفضل منه، وربما أثبتت الدراسات خطأ الكتاب، لكن الجماعة مستمرة في إقرار هذا الكتاب وتعليمه.
ما رأيك في تعامل الجماعات الإسلامية بشكل عام مع العلوم الإنسانية الحديثة والتي قد يكون مصدرها وأساسها من الغرب؟
المسلم المفروض عليه أن يستفيد من كل علم لا يتعارض مع منهج الإسلام، لكن إذا كان هذا العلم فعلاً يخلخل ويزلزل العقيدة فهذا لا أدعو له بحجة أني أريد الانفتاح، ولا أدعو إليه الشاب المسلم، لكن أي فكر قد يُستفاد منه في واقعنا المعاصر سواء أتى من مسلم أو من غير مسلم يجب أن نستفيد منه.
صحيح أن هناك ضعفاً في الاهتمام بعلم التاريخ والاجتماع وغيرها داخل الجماعات الإسلامية، فلابن خلدون مثلاً آراء مهمة ومع ذلك لا يُستفاد منه، أيضاً مالك بن نبي لم يستفد منه، بل على العكس كلمة واحدة من سيد قطب - رحمة الله - تنسف فكر مالك بن نبي كله!!، فهذه الجماعات تربت على أن ما يقوله سيد قطب هو الصحيح، والآن لو قلت أنا إن سيد أخطأ في كذا وكذا لن يُقبل مني ذلك، صحيح أنه يجب ألاّ نعود الشباب على النقد والتجريح، لكن إذا صدر هذا النقد من عالم متخصص لا بد أن يُعتبر.
ومع الأسف هناك رغبة داخل الجماعات بعدم توجه الفرد نحو التعمق الثقافي، حتى لا يبدأ بإثارة الأسئلة المشاكسة، يريدونه أن يتعلم أموراً بسيطة حتى يبقى مرتبطاً بالزعيم والقائد.
وهل ترى أن هذا أدى إلى عزوف المثقفين والمفكرين عن الجماعات الإسلامية؟
نعم صحيح هذا من أحد الأسباب الرئيسة، فلا تستطيع الجماعة بطريقة فكرها ومنهجها أن تستوعب مفكراً كبيراً أو مثقفاً، أضف إلى ذلك عدم وجود المشروع المتكامل لدى الجماعات، وتصبح القضية مختلطة ببعضها داخل الجماعة.
ألا ترى أن تقنيات الاتصال الحديثة أصبحت تزعزع سلطة الجماعة في السيطرة على أتباعها؟
تزعزع إيجاباً وسلباً أحياناً، فيصبح الشاب لا يُقدر أحداً حتى العلماء والدعاة، وينصرف الشاب نحو الإنترنت، والإنترنت وسيلة جيدة يُستفاد منها بحد معقول، لكن العولمة"سيئة الذكر"لها جانب اقتصادي وجانب ثقافي، والجانبان سيئان، فأصل العولمة هي من أجل الهيمنة على العالم اقتصادياً عن طريق الشركات الكبرى، والأسوأ منها الهيمنة الثقافية وفرض الثقافة على المجتمعات الأخرى، فأي شعب متحضر لا يقبل أن تُفرض عليه ثقافة أجنبية.
فهل يمكن للجماعات الإسلامية أن تواجه مثل هذه التحديات، وان تواجه العولمة، وهل الجماعات الإسلامية أصلاً ملتزمة أساساً بالمنهج الإسلامي الصحيح؟
ما هو المنهج الإسلامي الصحيح؟
هو منهج الكتاب والسنة، ومنهج السلف الصالح.
الكل يرفع شعار الكتاب والسنة؟
هل الدنيا فوضى حتى يرفع الجميع شعار الكتاب والسنة؟ هل المسألة فوضى حتى نصدق كل من يقول إنه ملتزم بالكتاب والسنة حتى ولو كان منحرفاً ومبتدعاً؟ فهل يُقبل كلامهم؟ أم أن هناك فعلاً منهج واضح وهو منهج أهل السنة في الاستدلال، وتنزيل آيات الكتاب على الواقع، وهدي الصحابة والخلفاء الراشدين، والتابعين، والفقهاء والمحدثين إلى يومنا هذا، فهل هذا المنهج ملتبس وغير واضح؟ أعتقد أنه واضح، فتفسير القرآن منضبط عند أهل السنة، بينما أهل البدع هناك فوضى وتأويل في تفسير القرآن، وهذا الشيء نفسه ينطبق على السنة، الله سبحانه أنزل ميزانين ميزان للأشياء المادية، وميزان للحق والباطل، فالقرآن فرقان تفرق به بين الحق والباطل، فلما نقول منهج الكتاب والسنة فنحن نعني هذا الشيء بشكل واضح، وأعتقد أن هذا هو الصواب، ولا صواب غيره، وهو الذي سيساعد المسلمين على النهوض، وأنا أعتقد أن هناك نقصاً داخل الجماعات في التمسك بمنهج الكتاب والسنة، فلماذا يقول بعضهم مثلاً (دعوتنا صوفية سلفية) يريد أن يجمع بين التناقض!
ولماذا تفترض التعارض بين السلفية والصوفية من وجهة نظر قائلها كما أفهمها أنه يعني أنها دعوة معنية بتصحيح العقيدة والتوحيد (سلفية) ، وإحياء الإيمان والعبادة كما جاءت عن النبي - عليه الصلاة والسلام - (صوفية) ؟
الموضوع هذا طويل، ودعنا من قضية المثال، لكن منهج الكتاب والسنة بالمعنى الذي فهمه به الصحابة والتابعون يحدد لنا الموقف من الفرق المنحرفة، وإن لم يكن لنا موقف لضاعت الأمة، وتميعت الأمور العقدية والفقهية، ولم نعد نعرف ما هو الصواب والخطأ، يعني خذ مثالاً على ذلك مما يُقال عن التعددية الثقافية والسياسية، هذه الدعوة غريبة جداً؛ لأنه حتى في أمريكا لا توجد تعددية، هناك ممنوعات في أمريكا، فالحزب الشيوعي غير مرخص له، ومع ذلك يأتي أناس يقولون نحن نقبل بكل شيء نقبل بالإلحاد، نقبل بالشيوعيين أن يعلنوا عن مبادئهم، فإذا كان الغرب نفسه لا يقبل بمثل هذا فكيف تأتي أنت وتميع الأمور، وتقول الرأي الآخر، نحن نقبل بالرأي الآخر وفق حدود معينة، أما خارج هذه الحدود فأنا لا أستطيع أن أقبله.
ما هي الطرق التي من خلالها تستطيع الجماعات أن تتحول لتيار شعبي كما تطالب؟
أولاً: يجب أن نركز على الدعوة العامة للناس من خلال الخطباء والوعاظ والكتاب، والتخطيط لإيجاد مرجعية عامة بين الناس من هؤلاء المؤثرين، وهذا جزء من التلاحم مع الأمة، بحيث يقتربون منك أكثر.
أيضاً خدمة الشعب والجماهير لها دور كبير في التقارب والتلاحم بين الدعاة والأمة، وتكون استجابتهم أفضل.
هناك أيضاً الجمعيات العامة سواء كانت خيرية أو اجتماعية، ومن خلالها يتم التواصل مع المجتمع بدلاً من أن تلتقي مع عدد محدود، هذه الجمعيات تتيح لك التواصل مع الأمة ككل.
دعني أسألك سؤالاً أخيراً، هناك من يقول أن الشيخ محمد العبده لم يطرح مثل هذا النقد الحاد للجماعات الإسلامية إلاّ بعد خلافات حصلت بينه وبين قادة الجماعة التي ينتمي إليها مارأيك؟
هذا ليس صحيح طبعاً، كلامي هو نتيجة لتأمل الواقع، وهو تأمل قديم، وهو نصيحة للمسلمين حتى ننتقل إلى مرحلة أفضل من المرحلة التي كنا فيها، وكلامي هو نتيجة معايشة وتجربة في الواقع الدعوي الإسلامي، فهناك أخطاء عميقة جداً تمنع هذا العمل من أن ينجح ويتقدم، وأنا في الأصل لست حزبياً ولا أؤمن بالحزبية، لا الآن ولا من قبل، ولا أتقيد بقيود أراها تقيدني عن الإسلام الصحيح.
في حديثك تُعرّض كثيراً بجماعة الإخوان المسلمين، فهل هم المعنيون بكل هذا الكلام؟
أنا قصدت الإخوان المسلمين وقصدت غيرهم من الجماعات الإسلامية، قصدت جميع الجماعات الإسلامية بنفس المستوى سواء كانوا"إخوان"أو جماعات أخرى، وكلامي من باب النصيحة، فإن قبلوا النصيحة، وإلاّ فهو أمر راجع لهم.
لكن هل جماعة الإخوان المسلمين من يوم حسن البنا إلى الآن استطاعوا أن يقدموا نقداً داخلياً صريحاً لمسيرة الدعوة، أو اعترفوا بأخطائهم؟
أعود وأكرر أنني لا أقصد تيار الإخوان فقط وإنما جميع الجماعات الإسلامية، وكلامي هذا ليس ردة فعل أو تمرد أو انشقاق، لكني أؤمن بضرورة أن ينتقلوا سواء بقوا كجماعات أو بدونها إلى مرحلة أكبر وأقوى نحو مشروع نهضوي وتربوي متكامل للأمة ككل، بدلاً من التكتل على أساس حزبي.