كشف الشخصيات: برجسون
برجسون وآراؤه في نشأة الدين والأخلاق
من هو برجسون ؟
هو « هنري برجسون » . فيلسوف يهودي فرنسي. عاش ما بين عام (1859 و1941م) .
صار أستاذًا في الـ «كوليج دي فرانس » سنة (1900م) . حاز على جائزة «نوبل » في الأدب سنة (1927م) .
ثنائي في فلسفته، يرى أن في العالم اتجاهين متعارضين، هما الحياة والمادة. فالحياة تصعد وتخلق وتجاهد خلال المادة، وتسمو عليه بالزيادة في الخصوبة ودقة التركيب، أما المادة فمثقلة هابطة مقيدة. إلى غير ذلك من آراء .
من مؤلفاته: «الزمن والإرادة الحرة » و «المادة والذاكرة » و «الضحك » و «منبعا الأخلاق والدين » ( [1] ) و «التطور الخلاق » وبعض هذه الكتب قد ترجم إلى العربية.
شاع أنه اعتنق المسيحية في أخريات حياته، ولئن صح هذا فلقد غدا معلومًا تمامًا غرض اليهود حينما يعلنون انتماءهم إلى المسيحية أو الإسلام أو غيرهما، إنهم قد يدخلون في أي دين غير الدين اليهودي نفاقًا، ليكون لمذاهبهم التي يضعونها، وآرائهم التي يصدرونها، ومكايدهم التي يكيدونها، تأثير أكبر في الأمم التي نافقوها بالانتساب إليها، ويندر فيهم الصادقون .
دوافع آرائه في الدراسات الفلسفية:
حيث وجدت مكرًا يهدف إلى هدم الدين أو الأخلاق، أو النظم الاجتماعية أو السياسية الصالحة، أو من شأنه أن يُفضي إلى تدمير الإنسانية، فابحث عن الأصابع اليهودية وراءه .
لقد وضع هذا الفيلسوف اليهودي نصب عينيه فكرة سابقة وهي أنه ليس للدين ولا للأخلاق مصدر رباني مطلقًا، ولا أسس عقلية تجعلهما حقيقة من الحقائق، وأن الوحي خرافة من اختراع الإنسان، وأن اليوم الآخر والحياة الآخرة خرافة .
ثم أخذ يجهد نفسه باحثًا عما يراه أو يريه قراءه سببًا يُمكن أن يفسر به ظهور الدين، وظهور الأخلاق، في المجتمعات الإنسانية، بعيدًا عن كونهما من الحقائق .
لقد أطال النفس في كتابه: « منبعا الأخلاق والدين » حتى انقطع في الصفحة (341) . وقد أخذ في غضونها يلهث كدًا، بغية أن يظفر بتفسير نفسي يقنع ضحاياه، بأن الدين والأخلاق خرافة نافعة للحياة .
ما يُهمنا مناقشته من آرائه الفلسفية:
لقد زعم في كتابه « منبعا الأخلاق والدين » خلال آراء وتلفيقات كثيرة، أن الدين والأخلاق من وضع « الملكة الوهمية » عند الإنسان، وهي ملكة تصنع الخرافة، ليستفيد منها الإنسان في حياته، فيقي بها نفسه من آثار المخاوف التي يتعرض لها .
وكرر في كتابه المذكور عبارة « وظيفة الخرافة » مؤكدًا بها أن للخرافة التي يخترعها الإنسان بمحض تخيلاته ظانًا أنها حقيقة، وظيفة نافعة في حياته. وبالخرافة الدينية يدافع عن نفسه، ويقيها من الخطر الذي يتعرض له من جراء اتجاهه العقلي الصرف، وهو خطر تجميد نفسه، وتعطيل طاقاته الحيوية عن التحرك الفعال المنتج .
وقال عن الدين - وكان يتحدث عن الدين البدائي - في الصفحة (135) من كتابه ما يلي:
« فممّا لا شك فيه أن انفعال بإزاء الطبيعة أصل من أصول الأديان. ولكننا نعود فنقول: إنّ الدين ليس خوفًا بقدر ما هو رد فعلٍ ضد الخوف، ولم يصبح إيمانًا بآلهة فورًا » .
وقال قبل هذا بقليل ما يلي:
« وجدنا أن أصل المعتقدات التي أتينا على دراستها إنما هي رد فعل دفاعي، تقوم به الطبيعة محاربة لتثبيط مصدره العقل. ورد الفعل هذا يثير في العقل ذاته صورًا وآراء تٌفني التصور المثبط، أو تمنعه من أن يصير إلى فعل. فيرى كائنات تنبثق، وليس من الضروري أن تكون شخصيات تامة. بل يكفي أن تكون لها نيات، بل أن تكون هي نيات. فالاعتقاد إذن جوهره الثقة، وأصله الأول ليس هو الخوف، بل الأمان من الخوف » .
وقال في الصفحة (150) :
« نفترض وجود فعالية غرزية، ثم ينبثق العقل، فننظر: هل نجم عن ذلك اختلال خطر. فإذا كان ذلك هبت الغريزة، فأوجدت في هذا العقل الذي سبب الاختلال تصورات ترد التوازن إلى ما كان عليه. وهذه التصورات هي الأفكار الدينية » .
وذكر نظير ذلك في عقيدة الحياة بعد الموت، وأنها رد فعلي دفاعي من الغريزة لمنطق العقل الذي يرى الموت، ويدرك أن الطبيعة جعلته نهاية حتمية للحياة، دون أن يكون وراءه شيء .
ومثل لما أسماه بوظيفة الخرافة بمثال المرأة التي فتحت باب المصعد في الطابق العالي، لتنزل فيه، فوجدت أن حارس المصعد قد دفعها بقوة، فطرحها أرضًا، ثم نهضت وأخذت تفكر فيما جرى لهان فرأت أن باب المصعد مفتوح كما فتحته، لكن غرفة المصعد موجودة في الطابق الأرضي، وليس في طابقها، عندئذ أدركت أن المصعد معطل لخلل طرأ عليه، وأن الباب قد فتح بسبب الخلل الطارئ، ولو أنها دخلت لهوت في بئر المصعد فتحطمت، ثم أدركت أن الوهم قد أسعفها بالصورة التي تخيلتها في حارس المصعد الذي دفعها، فكان للخرافة الوهمية هذه وظيفة دفع الخطر عن المرأة .
وعقب على هذه القصة بأن فكرة الإله في أفكار الناس مثل صورة حارس المصعد الذي دفع المرأة ليحميها، كل منهما من صنع الوهم، لكنه وهم دفاعي نافع، وهكذا كان لهذه الخرافة وظيفتها الدفاعية .