فهرس الكتاب
بهذا نلاحظ أن « برجسون » قد ألغى ابتداءً كل الحقائق العقلية والعلمية التي جاءت بها الأديان الربانية، وأخذ يدرس الأديان البدائية والأديان الوثنية الخرافية، ويجعل لها تفسيرات نفسية بعيدة عن منطق العقل وبراهين العلم، لأن هذه الأديان الفاسدة لا تملك بطبيعتها مثل هذه البراهين، ثم أطلق كلامه وعمّمه على كل الأديان .
وهكذا تعتمد مغالطته على ثلاثة عناصر:
العنصر الأول: تفسير الظاهرة الدينية تفسيرًا بعيدًا عن الحقيقة. ولئن كانت كما يقول في بعض الصور عند بعض الناس، فهي ليست كذلك في كل الصور ولا عند كل الناس.
العنصر الثاني: التعميم الفاسد، إذ عمم حكمه على كل دين، اعتمادًا على ما فسر به أديانًا بدائية فاسدة باطلة، مع احتمال أن تكون الأديان الباطلة البدائية ذات أصول صحيحة، لكن دخلها التحريف والتبديل بعد ذلك، ودخلت فيها الوثنيات من صنع الانحراف الإنساني، كما هو مشاهد في بعض الأديان الكبرى، ذات الأصول الصحيحة، بشهادة الوثائق التاريخية .
وعلى هذا فالخرافة الإنسانية كان لها وظيفة إفساد وتحريف، لا وظيفة دفاع وحماية كما زعم « برجسون » .
العنصر الثالث: تجاهل وكتمان الأسباب الحقيقية لقضايا الدين الحقّ، مع أن مثل «برجسون » لا يجهلها .
تلخيص أفكار برجسون:
لخص « د. محمد عبدالله دراز » أفكار « برجسون » حول تفسيره لظاهرتي الدين والأخلاق ( [2] ) . واقتباسًا من تلخيصه مع بعض التصرف أقول:
حاول « برجسون » تفسير نشأة الدين والعقيدة الإلهية على أنها من صنع الوهم الذي تفرضه الحياة، وليست وليدة التفكير المنطقي، وربط نشأة العقيدة الإلهية بأمرين:
الأول: أن الإنسان لما كان واقعًا تحت تأثير الواجبات الاجتماعية، وهي تتطلب منه التخلي عن بعض رغباته، والتضحية ببعض حريته، وكان استعمال ذكائه العادي في حساب مصلحته يدعوه إلى الأثرة، وإلى التضحية بمصلحة الآخرين من أجل مصلحة نفسه، وهذان الداعيان متعاكسان، متضادان، كان لابد له من قوة أخرى تحفظ التوازن، وتؤاخي بين مصالح الفرد والمجتمع .
هذه القوة المطلوبة قد أعدتها الفطرة الإنسانية في النفوس حين أشربتها الفكرة الدينية. وذلك أنها صورت أمامها المحظورات الاجتماعية بصورة مخيفة، تجعل من المخاطرة انتهاكها، وما زالت تبالغ في هذا التصوير، حتى خيلت للنفس أن هذه المحظورات يقوم عليها حارسٌ معنويٌّ، آمر، ناهٍ، محاسب، ينذر من ينتهكها بالبطش والعقاب، وهذا هو معنى الإله ..
وصورة هذا الحارس ضرورية للحياة، وإن لم تكن وليدة التفكير المنطقي، بل هي من عمل الواهمة أو المتخيلة، التي تشخص المعنويات، وتجسم المجردات. فهي هم تفرضه الحياة، ومن أجل ذلك وجدت الملكة الوهمية في طبيعة الإنسان، التي تصنع الخرافات النافعة .
الثاني: أن ميدان الأعمال اليومية فيه فراغ نفسي عميق، لا يملوه إلا العقيدة الإلهية.
فكل ذي حاجة ينتظرها وهو لا يدري ما قدر له من النجاح أو الإخفاق، لو تأمل بعقله، وقاس أعماله بمقدار نتائجها المحققة أو الغالبة، لقعد عن السعي، ولتوقفت حركة الحياة.
غير أن دفعة الحياة حركة تأبى الوقوف والجمود، فكان لابد لها من ثقل تضعه في الكفة الأخرى في الميزان النفسي، لترجح به جانب العمل، رغم كل تفسير وحساب، وما ذاك إلا الأمل تبعثه، والاعتماد على الخط المحتمل تقدره، ولا تزال تحث وتشجع، حتى تصور أمام النفس إرادة خفية يركن القلب إليها، ويعتمد عليها، وتلك هي إرادة الإله المستعان .
هكذا لخص الدكتور « دراز » فكرة « برجسون » ، وهكذا نلاحظ أنه جعل العقيدة بوجود رب خالق مهيمن من صناعة الوهم النفسي .
كشف الزيف:
الكاشف الأول: إن الفطرة الإنسانية التي تتجه لقضية الإيمان بالقوة الغيبية الخلاقة القادرة على تحقيق الأمن عند المخاوف، والإسعاف بالمطالب عند الضرورات الملجئة، لا يجوز عقلاً اعتبار اتجاهها عملاً وهميًا، يصنع الخرافة لتحيل الأمن، ثم يسمح بأن تستمر الخرافة جاثمة على النفس مدى الحياة رغم منطق العقل .
وذلك لأمور أربعة:
الأمر الأول: إن اتجاه الفطرة يعتبر منبهًا للعقل. حتى يبصر طريقه، فيأخذ بأسباب الأمن، إذ قضية الإيمان بالله بعد التنبيه تغدو قضية عقلية، لا مجرد، اندفاع غرزي فطري آني.
الأمر الثاني: إن من الملاحظ بصفة عامة، أن كل دوافع الفطرة السليمة، وكل اتجاهات الغرائز حينما تكون بوضعها الفطري السوي قبل أن تفسد بالعوامل الطارئة، تطابق العقل ومنطقه، بعد كل تجاربه واختباراته، ورؤيته المنطقية السليمة .
ألا نشاهد في الواقع الإنساني أن معظم الفطر الإنسانية تتجه اتجاهات فيها تحقيق النفع من جهة، وهي في الوقت نفسه أفضل طريقة منطقية، ومطابقة للواقع والحقيقة من جهة ثانية؟