فهرس الكتاب

الصفحة 8573 من 27364

شيرين حامد فهمي **

الديمقراطية المعكوسة

اكتشفت إليزابيث تشيني فجأة بعد نصف قرن -وهي ابنة نائب الرئيس الأمريكي التي ترأس برنامج تنمية الديمقراطية في العالم العربي التابع للخارجية الأمريكية- أن المنطقة العربية"غير ديمقراطية"، وأنها تحتاج إلى"دمقرطة"عاجلة.

وإليزابيث تشيني لم تأت بجديد؛ فبرنامج"تنمية الديمقراطية في العالم العربي"قد تم الإعلان عنه قبل أكثر من سنة. والحقيقة أن هذا البرنامج -كما يقول الباحث الفلسطيني خالد الحروب-"يمثل نقطة انعطاف أساسية في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه موضوع الديمقراطية في المنطقة العربية؛ حيث كانت السياسة السابقة -التي كانت تترك الأمور الداخلية للشعوب والحكومات العربية- مريحة لجميع الأطراف، سواء الحكومات الاستبدادية أو الإدارة الأمريكية، ما عدا الشعوب العربية". باختصار.. إن هذا البرنامج قام بتحويل دفة السياسة الأمريكية من"احترام الخصوصيات الثقافية"إلى التوغل في البنى الداخلية للمجتمعات العربية باعتبارها"المولد الأساسي للإرهاب".

ويقوم أساس البرنامج على"مبادرة شراكة الشرق الأوسط" (MEPI) The Middle East Pa r tne r ship Initiative التي تم الإعلان عنها في ديسمبر 2002؛ والممولة من قبل وزارة الخارجية الأمريكية. وتعمل هذه المبادرة على: الإصلاح الاقتصادي من خلال تنمية القطاع الخاص وتشغيل الاستثمار؛ والإصلاح التعليمي؛ وتنمية المجتمع المدني، وتفعيل الشفافية good gove r nance )) ، وتدعيم مشاركة الرجال والنساء في العملية السياسية.

ويلفت السيد ياسين انتباهنا إلى أن الحالة العربية أضحت مشكلة عالمية ! ويكفي للتدليل على ذلك -والكلام لياسين- الإشارة إلى التقرير الصحفي الذي أعده كل من"بيتر سليفن"و"روبين راين"بعنوان: إدارة بوش تعلن أن نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط هو المهمة الأخلاقية لهذا العصر؛ حيث اعتمد هذا التقرير على الكلمة التي ألقتها كوندوليزا رايس -مستشارة الأمن القومي الأمريكي- أمام الجمعية الوطنية للصحفيين السود ؛ فأوضحت أن"تطوير الحرية في الشرق الوسط هو التحدي الأمني والمهمة الأخلاقية لعصرنا"، من خلال إيجاد منطقة ذات مجتمعات مفتوحة بطريقة متزايدة، وازدهار اقتصادي، وحكومات تمثيلية .

وكما نلحظ -من كلمات كوندوليزا- فهناك ثلاثة مداخل للاقتراب الأمريكي الحالي من المنطقة العربية:

1-الاقتراب الثقافي الاجتماعي، حيث"المجتمعات المفتوحة بطريقة متزايدة".

2-الاقتراب الاقتصادي الذي يتمثل في"الازدهار الاقتصادي".

3-الاقتراب السياسي، حيث"الحكومات التمثيلية".

ولنأخذ كل اقتراب بالتفصيل، محاولين استشفاف ما يكمن وراءه من أهداف حقيقية، ولكنها غير مكتوبة؛ ومحاولين أيضا رصد الممارسات الأمريكية مع الدول العربية -حتى الآن- في هذا الصدد.

الاقتراب الثقافي الاجتماعي

من الملاحظ أن هذا الاقتراب يقوم بالأساس على تبادل الزيارات الطلابية بين الدول العربية والولايات المتحدة، بهدف"تبادل الآراء الذي يساعد في تخطي سوء التفاهم، كما تقول إليزابيث تشيني؛ والتي تضيف:"إننا في نهاية المطاف نعيش جميعا في عالم أصبح أصغر. وأصبحنا أكثر قربا من بعضنا بعضا، ومن المهم الآن -أكثر من أي وقت مضى- أن يفهم بعضنا بعضا. لذا نأمل أن نتمكن من الاستمرار في تشجيع هذه الأمور من خلال مبادرة الشراكة"."

ويشكل التعليم عنصرا أساسيا في الاقتراب الثقافي الاجتماعي. ومن الممارسات الأمريكية في هذا الصدد قيام وزارة الخارجية الأمريكية بإعطاء دروس تعليمية لصحفيي"الشرق الأوسط"في أصول الدقة، والموضوعية، والتوازن في التقارير والإعلام المحلي.

وقد عقدت ورشة عمل بالأردن في أثناء الحرب على العراق، حيث قامت الخارجية الأمريكية بتدريب حوالي 40 أردنيا وفلسطينيا وسعوديا على المهارات الصحفية، والتحليل النقدي، وحرية التعبير. وكذلك قيامها في الجزائر بدعم برامج تنموية -تكلفت أكثر من 500.000 دولار في خلال عام 2002- بهدف تقديم تعليم تطبيقي عن مجال حقوق الإنسان لكل من القضاة والمحامين وممثلي المؤسسات غير الحكومية.

وأيضا قامت بتمويل مؤتمرات للتعليم المدني للنشطين الأردنيين؛ وبتمويل وفد من العلماء الإسلاميين الأردنيين لحضور برنامج"الدين في الولايات المتحدة".

أما قضية المرأة فهي تمثل محورا بارزا في الاقتراب الثقافي الاجتماعي. وأكثر ما لفت انتباهي -عند قراءة ممارسات البرنامج الديمقراطي لوزارة الخارجية الأمريكية- هو شيوع"برنامج الزائر الدولي"Inte r national Visito r P r og r am في معظم الدول العربية إن لم يكن كلها.

ففي الجزائر مثلا، تم إرسال ثمانية جزائريين إلى الولايات المتحدة لتحصيل الخبرة الأولية في حقوق المرأة ودورها في المناصب الحكومية؛ وكذلك تم تشجيع هذا البرنامج في داخل البحرين.

ومن المغرب سافرت خمس ناشطات سياسيات إلى الولايات المتحدة بهدف مراقبة انتخابات الكونجرس الأمريكية التي أجريت في نوفمبر 2002.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت