فهرس الكتاب

الصفحة 10359 من 27364

محمد ماهر حماده

أطلق المسلمون أسم الأندلس على القسم الذي أحتلوه من شبه الجزيرة الايبرية0 وقد أرتقت الحضارة الاسلامية في تلك المنطقة من دنيا الإسلام ارتقاءً رائعاً ونافست الحضارة الإسلامية فيها حضارة الإسلام في المشرق, وبلغ من عظمة قرطبة وأزدهارها وخاصة إبان العهد الأموي في الأندلس إنها كانت أعظم مدينة في أوربا كلها وتأتي على قدم المساواة مع القسطنطينية وبغداد إبان عزهما0 وناهيك ببلدة بلغ عدد مساجدها 1600 مسجداً وحماماتها 600وفيها مائتا ألف دار وثمانون ألف قصر منها قصر دمشق شيده الأمويون حاكوا به قصورهم في بلاد الشام0 وقد بلغ عدد أرباض قرطبة ( ضواحيها ) تسعة أرباض كل ربض كالمدينة الكبيرة , ودور قرطبة ثلاثون ألف ذراع , وفي ضواحيها ثلاثة الآف قرية في كل واحدة منبر وفقيه0 وقد قدر بعض المؤرخين عدد سكان قرطبة في أيام مجدها وعزها بمليوني نسمة, وكان بالربض الشرقي من قرطبة مائة وسبعون أمرأة يكتبن المصاحف بالخط الكوفي. هذا في ضاحية من ضواحيها, فكيف ببقية الضواحي, وقد كانت شوارعها مبلطة وترفع قماماتها وتنار شوارعها ليلاً بالمصابيح ويستضئ الناس بسروجها ثلاثة فراسخ لا ينقطع عنهم الضوء. هذا شئ لم يحدث في أوربا إلا في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر . وطبعاً لم تكن قرطبة وحدها بهذا السمو فهناك طليطلة التي كانت لا تقل تألقاً وبهاءاً عن قرطبة, وهناك إشبيلية وغرناطة ومالقة والمرية0000وإنما ذكرنا قرطبة كنموذج لما كانت عليه بقية المدن الأندلسية, لذلك لا غرابة إن أنتشرت المكتبات والكتب في جميع أنحاء البلاد وكثر عشاقها وكثر التأليف والمؤلفون , ولاسيما أنه وجد حكام شجعوا العلم وهم أنفسهم كانوا مثلاً عالياً في حب الكتب وجمعها والاهتمام بها كالحكم الثاني وغيره0

ولقد أنتشرت الحلقات التعليمية في أغلب جوامع الأندلس وبشكل خاص في المدن الرئيسية كقرطبة وطليطلة وإشبيلية, ولقد وجد في كل جامع مكتبة غنية بمختلف فروع المعرفة الأنسانية, فقد كان للحلقات التي تعقد في جامع طليطلة شهرتها وأهميتها وجذبت أليها الطلاب المسلمين والنصارى على السواء حتى لقد كان يقصدها طلاب نصارى من جميع أنحاء أوربا بما فيها أنكلترا وأسكوتلندا 0

وقد أحتفظت طليطلة بمكانتها هذه بعد سقوطها بيد الأسبان سنة 1085م حيث وجد فيها هؤلاء مكتبة غنية عامرة حافلة بالكتب في أحد مساجدها وقد بلغت شهرة هذه المكتبة من حيث هي مركز للثقافة أقصى البلاد النصرانية في الشمال0

والواقع أن الثقافة العربية الإسلامية والتربية والتعليم أنتشرت في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين في إسبانيا المسلمة إلى درجة جعلت دوزي المؤرخ المشهور يقول إن أغلب الناس في الأندلس أصبحوا قادرين على القراءة والكتابة, بل يمكننا أن نقول إن كل فرد تقريباً كان يعرف القراءة والكتابة0 وقد أنتقلت الثقافة العربية إلى المستعربين الأسبان وهم الإسبان النصارى الذين أقاموا في البلاد الإسلامية وعاشوا تحت ظل الحكم الإسلامي , فقد سرت إليهم العادات الإسلامية وتعلموا اللغة العربية وكتبوا بها وألف بعضهم كتباً بها , بل واقتنوا مكتبات عربية0 يبدو ذلك واضحاً من نص يروي عن الكاتب النصراني المتعصب الفارو, ذلك أن هذا القس المهوس ببغض الإسلام وأهله كتب في القرن التاسع ميلادي يقول:"إن أخواتي المسيحيين يدرسون كتب فقهاء المسلمين وفلاسفتهم لا لتفنيدها , بل لتعلم أسلوب عربي بليغ0 واأسفاه, إنني لا أجد اليوم علمانياً يقبل على قراءة الكتب الدينية أو الأنجيل , بل إن الشباب المسيحي الذين يمتازون بمواهبهم الفائقة أصبحوا لا يعرفون علماً ولا أدباً ولا لغة إلا العربية , ذلك إنهم يقبلون على كتب العرب في نهم وشغف ويجمعون منها مكتبات ضخمة تكلفهم الأموال الطائلة في الوقتالذي يحتقرون الكتب المسيحية وينبذونها0000"

بل أن كثيراً من رجال الدين في الأندلس تعلموا اللغة العربية وألفوا بها , فقد نقل يوحنا رئيس أساقفة أشبيليه التوراة من اللاتينية إلى العربية وذلك سنة 764م 0 كذلك نقل الأب فيسنتي ثمانية أجزاء من قوانين الكنيسة إلى اللسان العربي وأهداها إلى الأسقف عبد الملك في أبيات من الشعر العربي مطلعها0

كتاب لعبد الملك الأسقف الندب جواد نبيل الرفد في الزمن الجدب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت