فهرس الكتاب

الصفحة 8203 من 27364

د. محمد مورو 10/3/1425

منذ أن طرح الرئيس الأمريكي جورج بوش ما أسماه الشرق الأوسط الكبير والذي من المفترض أن تتبناه مجموعة الدول الثماني الكبار في العالم في مؤتمرها القادم، منذ ذلك الحين تبارت حكومات وجماعات ورموز ثقافية وسياسية في طرح تصورات وعقد مؤتمرات وإصدار توصيات حول مشروعات للإصلاح، ولكن الحقيقة أن كل هذه المبادرات محكوم عليها بالفشل لأسباب كثيرة واقعة في بنية هذه الحكومات والجماعات الثقافية والسياسية ولأسباب تتصل بإغفال العنصر الرئيس للإصلاح والنهضة، وهو نفس العنصر الذي فشلت بسبب غيابه كل مشروعات النهضة العربية والإسلامية التي شهدتها تلك البلدان في غضون القرنين المنصرمين.

بداية فإن مشروعات الإصلاح القادمة من الخارج هي بالضرورة فاشلة، لأنها أولاً تفتقد للمصداقية وتتسم بالنفاق ، وأهدافها لا علاقة لها في الحقيقة بموضوع الإصلاح أصلاً ، بل نكاد نقول إن الغرب وأمريكا لا يريدون لنا الإصلاح والديمقراطية والنهضة أو أي شيء إيجابي أصلاً ، لا على الأساس الإسلامي ولا حتى على الأساس العلماني ولا على أي أساس ، المطلوب فقط هو إعادة هيكلة مجتمعاتنا بما يضمن الخضوع والانصياع الكامل للمشروع الغربي الأمريكي الصهيوني، لا أكثر ولا أقل، ونلاحظ في هذا الصدد أن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تم طرحه مؤخرًا لم يكن مشروعًا أو مبادرة؛ بل كان نوعًا من الحكم والعقاب أو عقد الإذعان فهو لم يناقش الحكومات المعنية ولم يهتم بأخذ رأيها ؛ بل وضع المشروع هكذا وعليهم التنفيذ، فضلاً عن أن أي مشروع للإصلاح ما لم يستند إلى إرادة شعبية حقيقية فلن ينجح.

وبدهي أن الممارسات الأمريكية والغربية مع شعوبنا تاريخيًا وعقائديًا ووجدانيًا كلها تقود إلى نفرة الشعوب من أي شيء يأتي من هناك، أو على الأقل الشك فيه والارتياب بمضمونه وأهدافه، ويكفي أن مشروع الشرق الأوسط الكبير اهتم بإدخال إسرائيل قسراً في المنظومة العربية الإسلامية، وهذا مستحيل حتى ولو استند إلى قوة هائلة لأنه ضد حقائق التاريخ والجغرافيا والدين والوجدان، وهكذا فإن مثل هذه المشروعات تولد ميتة وأعتقد أن الذين جاءوا بها يعرفون هذا ولا يريدون إلا نوعاً من الضغط على الحكومات بها للمزيد من الانصياع والإذعان والانبطاح ووضع الحكومات في حالة رد فعل.

من جانب آخر؛ فإن الضجة الهائلة والتحليلات المستمرة في الصحف والفضائيات والجلسات الثقافية والسياسية والاهتمام المبالغ فيه من الحكومات والمثقفين بالموضوع يعكس قدرًا هائلاً من الخلل، ولن يكون التفكير في الإصلاح مجديًا إذا تم بناءً على ضغط خارجي، ومجرد الرقص على أنغام الخارج هو في حد ذاته خلل كبير وأحد أسباب الفشل؛ نعم لقد تأخرنا كثيرًا في الإصلاح ، نعم نحن في حالة مزرية، وهذه جريمة ارتكبتها الحكومات والقوى السياسية والجماعات الثقافية على حد سواء؛ فالحكومات أدمنت الاستبداد والفساد، وهذه جريمة تستحق عليه المحاسبة، والقوى السياسية لم تمتلك الشجاعة الكافية، ولا الرؤية الصحيحة لمواجهة هذا التحدي لا نستثني من ذلك أحد هذه القوى السياسية مهما كانت مستبعدة أو حتى تعرضت لقهر هائل، هو قهر غير مبرر وهو مجرّم ويستحق الإدانة ولكن ذلك لا يعفيها من المسؤولية، ربما يقلل مسؤوليتها ولكنه لا يعفيها من المسؤولية، والجماعات الثقافية ارتضت في مجملها أن تكون بوقاً للحاكم أو ترديدًا ومرجعاً لصدى الخارج، وبحثت عن المنافع والمناصب والمؤتمرات بالتقرب من المؤسسات الحاكمة أو عن الشهرة والجوائز بالتقرب إلى المؤسسات الغربية حتى لو كان الثمن مثلاً سب الدين أو التخلي عن الثوابت؛ بالطبع لكل ظاهرة استثناءاتها ولكنها استثناءات تؤكد القاعدة ولا تلغيها.

إذا تابعنا ردود الأفعال الحكومية تجاه مبادرة الشرق الأوسط الكبير؛ نجد أن الحكومات أصيبت فجأة بحمى الإصلاح والحديث عنه. والقول إنها كانت تؤمن به وتعدّ له وتجهز أدواته ولكنها تحتاج إلى وقت، وهو كذب صريح (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين) . ثم عادت تلك الحكومات تتحدث عن الخصوصية.. وهو حق أرادوا به باطل؛ لأن الخصوصية لا تعني الظلم والفساد والتعذيب في السجون وانتهاك حقوق الإنسان، ثم لاذت الحكومات بمجموعة من المثقفين للتحدث عن الإصلاح وتضع لهم أجندات بهدف امتصاص الضغط الخارجي ليس إلا؛ وانبرت جماعات المثقفين كل يدلي بدلوه، وكأن الإصلاح، والقضاء على الفساد، وتحقيق الحريات واحترام حقوق الإنسان أو حتى تداول السلطة وتغيير الدساتير مسألة صعبة، وهي ليست صعبة بالطبع، وهي خطوة ضرورية طبعاً، ولكنها لن تحقق الإصلاح هكذا فجأة وبعصا سحرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت