وقوى الشر التي تآزرت ضده
علي عبد العال
يجمع العدول من كتاب وباحثي التاريخ، على أن تاريخ السلطان عبد الحميد الثاني ناله من التشويه والافتراء ما لم تنله شخصية تاريخية على الإطلاق، حتى جاوز ذلك الحد المعقول، فألصق به من الدكتاتورية والاستبداد والطغيان، ما جعل أكبر جبابرة البشرية يتضائلون جواره، وفى ذلك من الافتراء على الرجل الكثير والكثير، ولما كان السلطان عبد الحميد علم على وجود الدولة العثمانية، نظرًا لطول الفترة التي قضاها حاكمًا لها أكثر من ثلث قرن، فكان كل حاقد أو طاعن على الدولة التي ظلت تحتضن الخلافة الإسلامية حتى أوائل القرن العشرين، يرى في السلطان الذي هو رأس الدولة، الهدف الذي ينبغي أن تصوب له سهام الحقد، فألصقوا بالرجل كل نقيصة، وشوهوا تاريخه وطعنوا فيه.
ولد السلطان عبد الحميد الثاني بن السلطان عبد المجيد فى21 سبتمبر عام 1842ص، وقد تفتحت عيناه على والده ومن بعده عمه السلطان عبد العزيز، فوجدهما يحميان حركة الأخذ عن الغرب الصليبي، كما شاهد ولمس عن قرب أطماع الدول الغربية وروسيا في الدولة العثمانية التي أطلقوا عليها رجل أوربا المريض، الذي يتربصون لسقوطه فتقسم أملاكه، فأدرك بذلك مدى الخطر الذي يترقب الدولة في ظل الضعف والتردي الذي لحق بها.
وعندما تولى الحكم عام 1876 ص، كانت أطماع هذه الدول في الدولة العثمانية بلغت أوجهها، وكان عليه وحده عبء مواجهة هذه الأطماع، وإيجاد مخرج للدولة منها، ولكن أين له القوة على ذلك وقد بلغت الدولة من الانحطاط قبل توليه الحكم ما بلغت.
كان للسلطان عبد الحميد منطلق فكرى وعقدي، يتمثل في أن الإسلام كما جاء في مذكراته: (هو الروح التي تسرى في جسم البشرية فتحييها، وتغزو القلوب فتفتحها) ، ويرى: (أن القوة الوحيدة التي ستجعلنا واقفين على أقدامنا؛ هي الإسلام) (وأننا أمة قوية؛ بشرط أن نكون مخلصين لهذا الدين العظيم) ، فكان يستمد من هذه العقيدة، القوة والصلابة التي تمكنه من مجابهة الأطماع الغربية الصليبية في دولة الخلافة، وكان يرى: (أن حملات الصليبية الموجهة ضد الدولة العثمانية لم تتوقف قط، ولا يزال جلادستون العجوز"رئيس وزراء انجلترا"يسير على خطى البابا في هذا السبيل) ، (وما زال النصارى ينفقون الملايين في سبيل نشر النصرانية ببلاد الإسلام، وقد كان عليهم أن يفهموا من قبل أن التوفيق لن يحالفهم في هذه البلاد) .
كانت هذه الرؤية؛ بمثابة الأسس الفكرية التي كان ينظر من خلالها السلطان عبد الحميد إلى الصراع الدائر ضد حامية الخلافة الإسلامية ومن ثم: (كانت محاولة عبد الحميد في تنفيذ فكرة التجمع على النحو الذي يؤيد به نفوذ(القوة العربية الإسلامية) القائمة باسم (الخلافة العثمانية) كقوة مقاومة للنفوذ الغربي، ومن هنا أطلق الكتاب على هذه المرحلة 1876 - 1908، وهي فترة حكم السلطان عبد الحميد في تركيا، اسم (تركيا الإسلامية) .
ولما رأى عبد الحميد أن عقد الدولة العثمانية أخذ ينفرط، وأن البلاد الإسلامية تسقط الواحدة تلو الأخرى تحت نير الاحتلال الأجنبي؛ تونس 1881، مصر 1882، بدأ صيحته إلى (الجامعة الإسلامية) ؛ وهي أن الدولة العثمانية قاعدة الخلافة الإسلامية، وهي ليست للعرب والترك فقط، بل لكل مسلمي العالم شرقًا وغربًا، وينبغي على المسلمين أن يتحدوا لتحرير أراضيهم وثرواتهم في كل مكان من أيدي الغرب الصليبي وأعوانه:"و كان ذلك في الحق، عملًا سياسيًا كبيرًا، استهدف به عبد الحميد دعم الوحدة الإسلامية العثمانية كقوة سياسية في وجه النفوذ الأجنبي والقوى الاستعمارية التي كانت تمر بأشد مراحل الغزو على عالم الإسلام شراسة، وبعد أن سقطت الهند في يد بريطانيا، والملايو في يد هولندا، وسيطرت بريطانيا وروسيا على حدود فارس والأفغان، وسقطت أجزاء الخليج العربي في يد بريطانيا أيضًا، بالإضافة إلى مصر والسودان، وسيطرت فرنسا على الجزائر وتونس".
فكانت صيحته كما يقول لوثروب بمثابة (استصراخ الأمم الإسلامية في كل رقعة من رقاع العالم الإسلامي لتمد يد العون إليه وشد أزره بالالتفاف حوله، قاصدًا قذف الرعب في روع الدول الغربية التي خالها تأتمر فيما بينها وتتحد الوسائل للقضاء على المملكة العثمانية) ، وقد بلغ أمر هذه الدعوة غايته؛ وهي تكتيل المسلمين وجمع كلمتهم وتهيؤهم للجهاد، حتى كان السلطان يفاوض الدول الكبرى ويساومها، بل ويهددها أحيانًا، مُلوّحا بسلاح الجهاد)