فهرس الكتاب

الصفحة 1482 من 27364

ناصر الصفدي

لئن دشنت مدافع نابليون أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، بداية حملة غربية تقودها (فرنسا) ، في ذلك الوقت، على أمتنا العربية الإسلامية، بغية استئناف الأحلام الغربية بغزو العالم و «تحضيره» و «تنويره» وفق النمط الأوروبي، الذي يرى الإنسان الغربي محور الكون وقطبه الأوحد، أقول: لئن اعتبر كثير من المثقفين والباحثين حملة نابليون تلك مفتتح عهد استعماري جديد، فإن تلك الحملة، وكما يراها عدد من مثقفينا المبهورين بالحضارة الغربية والمولعين بإنجازاتها، كانت في نظرهم نقطة البدء لتعرف أمتنا على الحضارة الغربية، ودخولها تالياً في العصر الحديث وعلومه ومنجزاته عن طريق التلاقح الفرنسي وما نتج عنه من نشوء ما عاد يعرف في أدبياتنا بـ (اليقظة العربية) من قبل القوميين العرب، أو (النهضة الإسلامية الحديثة) من قبل الإسلاميين.

وعلى الرغم من تحفظنا إزاء اعتبار ذاك التاريخ مرحلة تاريخية تدشينية للنهوض واستنهاض الهمم، فمتى كان غزو أمة لأخرى لحظة تاريخية فارقة لصالح نهضتها وتقدمها، ما لم يشكل ذاك الغزو حالة مستفزة بالمعنى الإيجابي للكلمة؟، إلا أننا نتفق في النهاية على أن تدشين عصر اليقظة العربية أو النهضة الإسلامية الحديثة، مع انطلاق مدافع نابليون على مصر، كان بداية مرحلة جديدة من الغزو الغربي لأمتنا، ونوعاً مميزاً منه، امتاز بطغيان الجانب الثقافي والحضاري فيه على الجانب العسكري الذي طالما دحرته الأمة، وامتلكت تجاههه مناعة مكنتها من هزيمته ودحره ولو بعد حين.

ذلك الغزو الثقافي والحضاري الذي حرص الاستعمار الحديث على المضي قدماً فيه جنباً إلى جنب مع الغزو العسكري التقليدي، كان يستهدف هذه المرة استنبات نبت هجين، ينتسب إلى هذه الأمة بالاسم والمولد والجنسية، ويتبنى قيم الحضارة الغربية ومقولاتها ومبادئها في جوهره وحقيقته، سعياً منه لطمس ملامح هويتنا الحضارية التي استعصت على سادته الغربيين من خلال العمل العسكري، في محاولة لعولمة الأرض وفق النموذج الغربي، وفي إطاره المعرفي والثقافي الذي لا يرى بديلاً عنه أو حتى مكافئاً له.

لقد تصدى أبناء هذه الأمة لمحاولات التغريب والإلحاق الثقافي القسري بالقطب الغربي الأوروبي بداية، والأمريكي تالياً، وكان في مقدمة أولئك (عبد الله النديم) الذي سوف تدور سطور هذه المقالة عنه وعن فكره ورؤاه الإستراتيجية في هذا الصدد، من خلال مطالعة واستقراء أهم نتاجه الفكري وكتاباته.

ينتمي (عبد الله النديم) أو (عبد الله بن مصباح بن إبراهيم الإدريسي الحسني 1845ـ 1896م) فكرياً إلى تيار الجامعة الإسلامية الذي أسسه الشيخ جمال الدين الأفغاني، - رحمه الله تعالى -، وقد كان تلميذاً نجيباً له ولفكره وآرائه، ولد بالإسكندرية، وكان شاعراً وخطيباً وسياسياً مجاهداً، وذا قدم راسخة في ميادين العلوم الإسلامية وعلوم العربية الفصحى، وكاتباً بارزاً باللهجة العامية، شارك في الكتابة في صحافة تيار الإحياء والتجديد الذي تزعمه الأفغاني، فكتب في صحف (المحروسة) و (العصر الجديد) . كما شارك في الثورة العرابية، وكان من أبرز خطبائها، وأصدر إبان الثورة صحيفة (التنكيت والتبكيت) و (الطائف) التي حلت محلها ومثلت لسان حال الثورة.

إثر هزيمة الثورة العرابية إزاء التدخل العسكري الإنكليزي في مصر، طاردت سلطات الاحتلال (النديم) ، فاختفى لمدة عشر سنوات، وبعد القبض عليه، حبس أياماً ثم نفي إلى فلسطين حتى عفى عنه الخديوي (عباس حلمي الثاني) ، فعاد إلى مصر وأصدر مجلة (الأستاذ) . ثم نفاه الإنكليز بسبب مقالاته فيها إلى فلسطين ثانية، فذهب إلى الأستانة (استانبول) وصحب أستاذه الأفغاني حتى وافاه الأجل ودفن هناك، وله من المؤلفات الفكرية والأدبية ما ينوف على العشرين مؤلفاً.

لقد كان (النديم) مهجوساً بالسؤال الذي شغل بال مفكري عصره وأقض مضاجعهم عندما تعرفوا إلى الحضارة الغربية، والمتلخص بسر تخلفنا وتقهقرنا الحضاري إزاء تقدم أوروبا والغرب، ولعل كتاباته في هذا السياق من أقدم المحاولات النقدية الجادة للإجابة على هذا التساؤل المفتاحي، واعتبر (النديم) في هذا السياق أن جذور تراجعنا الحضاري ترجع إلى عوامل داخلية ذاتية منها: «حكم التغلب وسلطان الاستبداد، وتجزئة السلطة وتشرذم الأقاليم في ديار الإسلام، وتراجع سلطان العلماء، وتأثير المؤسسات العلمية والتعليمية، وضيق السلاطين بالحرية الفكرية، وتضيقهم على أرباب الأفكار الحرة وأهل الاجتهاد والتجديد» [1] .

ولم يهمل (النديم) دور التدخل الخارجي والغزوات الهمجية التي تعرضت لها حضارتنا وأمتنا على يد كل من المغول والصليبين، فأوقفت سير تقدمنا وشغلت الأمة بمهمة الدفاع عن وجودها وكيانها إزاء الأخطار المحدقة بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت