مصطفى عياط 29/3/1428
ظل رفض التطبيع بأبعاده النفسية والاقتصادية والثقافية، حتى وقت قريب، الحصنَ الأخير والسدَّ المنيع للعرب في مواجهة إسرائيل، ونجح هذا السد في حجز ومحاصرة أي تمددات لأنصار التطبيع داخل المجتمعات العربية، لكن هذا الحصن بدأ يعاني في السنوات الأخيرة من تصدّع أحد أهم جدرانه، والمتمثل في المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، حيث نجحت الأذرع الأخطبوطية لإسرائيل في التمدد داخل الدول العربية، تارة متخفية تحت لافتات مزيفة، وتارة أخرى في إطار تكتلات وتجمعات اقتصادية يتم زرع إسرائيل عمدًا بداخلها، واستخدامها كحصان طروادة لاختراق الأسواق العربية، وتارة ثالثة يكون التواجد علانية بحجج واهية، مثل: استخدام النفوذ الإسرائيلي لفتح الأسواق العالمية، وخاصة الأمريكية، أمام المنتجات العربية، على غرار ما حدث في اتفاقيات الكويز مع مصر والأردن.
وتبدو الإحصائيات الخاصة بالتبادل التجاري بين الدول العربية وإسرائيل - والتي يكون مصدرها دوماً الأخيرة - مثيرة للإحباط والحسرة؛ إذ شهد العامان الأخيران تصاعدًا غيرَ مسبوق في الاختراق الإسرائيلي للاقتصاد العربي، فعلى سبيل المثال أدّت اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة"الكويز"بين مصر والولايات المتحدة وإسرائيل إلى فتح أبواب الاقتصاد المصري على مصراعيه أمام رجال الأعمال الإسرائيليين؛ ليخترقوا أحد أبرز قطاعاته الاستراتيجية والمتمثل في صناعة الغزل والنسيج.
وهم الكويز
ووفقاً لتقرير أصدره معهد الصادرات والتعاون الدولي الإسرائيلي مطلع العام الحالي، فإن مصر شكلت أكبر وأسرع سوق للصادرات الإسرائيلية خلال عام 2006، حيث سجّلت الصادرات الإسرائيلية لمصر في الفترة من فبراير 2005 حتى فبراير 2006 زيادةً قدرُها 168%، وبمتوسط صادرات شهرية يقدر بـ (8.3) مليون دولار مقارنة بمليون دولار شهرياً قبل فبراير 2005.
وأرجع التقرير هذه الزيادة الطفرة إلى اتفاق الكويز الذى وقعته مصر مع إسرائيل في ديسمبر 2004، والذي ينص على دخول منتجات المنسوجات المصرية للسوق الأمريكية معفاة بالكامل من الجمارك بشرط اشتمالها على مكونات إسرائيلية لا تقل نسبتها عن 11.9% بالنسبة لمصر، و 8% بالنسبة للأردن، وبالتالي فإن أغلب الصادرات الإسرائيلية لمصر كانت عبارة عن مواد خام لصناعة النسيج.
وفي ظل اتفاقية الكويز، صعَد حجم الصادرات الإسرائيلية إلى مصر من (26) مليون دولار عام 2003 الى (125) مليون دولار في عام 2006، بينما ارتفعت صادرات إسرائيل للأردن من (86) مليون دولار عام 2003 إلى (136) مليون دولار في عام 2006.
ومع أن فكرة ما يُسمّى بالمدن الصناعية"المؤهلة" (QIZ) ، تم الترويج لها أساساً بصفتها مدخلاً لزيادة صادرات البلدان العربية الموقِّعة عليها - مصر والأردن - إلى الولايات المتحدة من خلال إعفائها من الرسوم الجمركية، بالشرط السابق إلاّ أن ذلك مكّن الإسرائيليين من التحكم في أسعار المواد التي تشكّل المكوّن
الإسرائيلي والمبالغة في تلك الأسعار بشكل كبير، مما قلّل من قدرة المنتجات المصدَّرة من تلك المدن الصناعية على المنافسة في مواجهة المنتجات الواردة من دول مثل الصين وتركيا وبنجلاديش.
الأردن الهدف
وكانت وطأة هذا الأمر على الأردن أشد؛ إذ إن 90% من مصانع المدن المؤهلة متخصصة في صناعة النسيج، وهي صناعة لا ينتج الأردن أي مواد خام أو حتى نصف مصنعة تدخل في إنتاجها، وبالتالي فإنه يعتمد على استيراد المواد الأولية من إسرائيل، وبأسعار تفوق السوق العالمي؛ إذ تمنح نسبة الـ 8% الموردين الإسرائيليين وضعاً شبه احتكاري، وبالإضافة إلى ذلك، فإن ضعف خبرة رجال الصناعة والأعمال الأردنيين في صناعة النسيج، جعل معظم رؤوس الأموال في تلك المدن إسرائيلية، مع نسبة قليلة للأردنيين كمجرد واجهة لتسيير الأمور.
والاهتمام الإسرائيلي بالتغلغل وإمساك مفاصل الاقتصاد الأردني لم يأت من فراغ، فالأردن يقع ضمن المستوى الأول للنظام الاقتصادي الشرق أوسطي، حسب التصور الإسرائيلي، والذي يستهدف إقامة تجمع اقتصادي ثلاثي يجمع بين الأردن والسلطة الفلسطينية وإسرائيل، وذلك على غرار الاتحاد الاقتصادي القائم بين دول"البينيلوكس"الأوروبية. ويهدف الإسرائيليون من وراء هذا التجمع الثلاثي إلى:
*أولاً: التغلب على عامل المساحة المحدودة ونقص الأيدي العاملة الكثيفة ذات الأجر المنخفض.
*ثانياً: جعل كل من الأردن والكيان الفلسطيني المنتظر معْبرًا ومركزَ توزيع للمنتجات والسلع الإسرائيلية إلى باقي الدول العربية، خاصة وأنها ستحمل شعار"صنع في الأردن"أو"صنع في فلسطين".