أ . د. عابد السفياني (*)
إن «الإسلام» هو الرسالة الخاتمة التي أُرسل بها رسولنا محمد عليه وعلى إخوانه المرسلين أفضل الصلاة والسلام، وهي رسالة عالمية لها مبادئها الشاملة لجميع أحوال البشرية العقدية والتشريعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة والعامة، ويدخل في ذلك من آمن بها من أهل الإسلام ومن دخل تحت أحكامها ونظامها التشريعي من غير المسلمين.
ومن المناسب أن نقول إن انحسار العولمة الإسلامية هو سبب لفتح الطريق للعولمة الكفرية. والعولمة الفكرية الغربية هي اتخاذ الأمم الكافرة الوسائل لنشر مبادئها ونظمها وأفكارها عالمياً، وهو ما يُسمى الآن بـ «العولمة الفكرية» ـ بالنسبة للغرب ـ التي تتمثل في نشر أفكاره ونظامه.
ونذكر مثالاً يوضح الفرق بين العولمة التشريعية في الإسلام، وبين العولمة التشريعية بالنسبة للكفار.
حرّم الإسلام نكاحَ المحارم، وحرّمَ السفاح والزنى واللواط على المسلمين وعلى غير المسلمين من الكفار اليهود والنصارى، والمجوس وغيرهم، وقام المسلمون بدعوة الناس جميعاً لاجتناب الرذائل، وألزموا مَنْ دخل في الإسلام بتركها، ومَنْ بقي على كفره وكان مع المسلمين في بلادهم أيضاً؛ لأنها محرمة على الجميع، ونُشِرَ هذا التشريع عالمياً واستفاد المسلمون والكفار من الآثار الإيجابية المترتبة عليه، فانحسرت الرذائل وآثارها السلبية (1) ، وهذه عولمة تشريعية إسلامية.
أمّا الكفار فيحاولون أن يعولموا الإباحية ويُصدروا التشريعات التي تبيح الفواحش والشذوذ وينشروها من خلال الأنظمة الوضعية والمؤتمرات الخاصة بالمرأة والسكان، وإطلاق الحريات.
ولهذا فإنني أرى أن توصف جهود المسلمين في نشر الإسلام عالمياً بقولنا: «العولمة الفكرية الإسلامية» ويشمل ذلك التعريف بالإسلام، ومن ثمرته دخول الناس أفواجاً في الدين، وهؤلاء بمقتضى الإسلام يكون معهم العلم به والعمل، ويُطلب منهم أن يشاركوا في نشره وهذا يوسع دائرته العالمية.
وأمّا الكفار الذين يدخلون تحت حكم الإسلام ونظامه فهؤلاء يدخلون تحت «العولمة الفكرية والتشريعية» إن صح التعبير، وإن لم يدخلوا تحت اسم الإسلام. فالعولمة التشريعية أو الفكرية الإسلامية تعني نشر الإسلام عقيدةً، كما تعني نشر النظام الإسلامي، ويشمل ذلك مصطلح الدعوة الإسلامية.
وأمّا جهود الأمم الكافرة في نشر أنظمتها وأفكارها وتشريعاتها الرأسمالية أو الإباحية فيجب أن يُسمى ذلك بـ «العولمة الكفرية» ، ويشمله قولنا: الدعوة الكفرية، أو الدعوة إلى الكفر، أو الدعوة لنشر أنظمة الكفار ومناهجهم ومذاهبهم.
ذكر الأدلة النقلية والعقلية على وجوب إخضاع البشرية لعالمية الإسلام:
1 -قال الله ـ تعالى ـ: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ } [البقرة: 213] .
عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: «كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق» ، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: «وهذا القول صحيح عن ابن عباس سنداً ومعنى؛ لأن الناس كانوا على ملة آدم عليه السلام» (1) .
ففي هذه الفترة كان العالم يعيش تحت شريعة واحدة وهذا هو الأصل في البشرية، وهذه الشريعة الإسلامية هي الحق والهدى والخير والعفاف، ويقوم على ذلك حفظ الدين والأنفس، والعقول، والأعراض، والأموال.
2 -أن الشرائع الإسلامية في جميع العصور جاءت بالنظام الذي يحفظ تلك الضروريات التي يسميها العلماء الضروريات الخمس التي سبق ذكرها آنفاً، والتي تكوّن الأمة الواحدة ذات المبادئ الواحدة والنظام العالمي الواحد، وقد طرأ الاختلاف في البشرية بعد أن لم يكن، فلما وقع الاختلاف، وطرأ الشرك، وظهرت الخرافة والظلم والبغي، وخالف بعض الناس الشرائع الإسلامية أرسل الله نوحاً ـ عليه السلام ـ ليرد الناس إلى ما كانوا عليه.
يؤكد ذلك أنه مَا مِنْ نبي ورسول إلا ويأتي بالدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك، والأمر بإقامة أركان الإسلام والإيمان وتطبيق الشرائع الحافظة للأنفس والأعراض والعقول والأموال.
قال الله ـ تعالى ـ: )وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) [الإسراء: 23] ، وقوله ـ سبحانه ـ: { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } [يس: 60، 61] .
وقوله ـ سبحانه ـ: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ } [البقرة: 83] .
وجاء الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم يجدد هذه الدعوة لتكون للعالمين نذيراً، ولتكون للعالمين ذكراً: {إنً هٍوّ إلاَّ ذٌكًرِ لٌَلًعّالّمٌينّ} [التكوير: 27] .
{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] .