فهرس الكتاب

الصفحة 3625 من 27364

ويؤكد القرآن مفهوم الأمة الواحدة العالمية: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [الأنبياء: 92] .

ومن أكبر مقاصد هذه الوحدة العالمية ما يلي:

أ - تذكير البشرية بنشأتها الأولى.

ب - تأكيد وحدة الفطرة الإنسانية.

ج - تأكيد حاجة البشرية للعبادة المبنية على التوحيد الخالص.

د - تقديم الحلول العملية التطبيقية للمحافظة على مصالح البشرية الدنيوية والأخروية؛ ففي الدنيا المحافظة على تلك الضروريات، وفي الآخرة النجاة من النار ودخول الجنة، والفوز برضوان الله.

3 -عناية الإسلام العظيمة بتأكيد حفظ ضرورات البشرية، واستمرار نشأتها الخيّرة الأولى. وإن من المقاصد العظيمة للإسلام كف البشرية عن الشرور التي ترتبت على الاختلاف الذي وقع بسبب الشرك والظلم والبغي والفواحش؛ ولهذا قال الله ـ سبحانه ـ: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [البقرة: 213] .

فأما الفريق من الناس الذين ظلموا وبغوا وتركوا مقتضى العلم الصحيح والعمل بالهدى والحق، فهؤلاء خلافهم وشرورهم طارئة على البشرية، وترتب على هذا الخلاف نشوء جميع الضلالات والانحرافات العقدية والعملية الموجودة في هذا العالم؛ فكانت رسالات الأنبياء ـ عليهم السلام ـ تُعنى بمحاربة تلك الشرور التي ترتبت على تلك المخالفات مع عنايتها بتجديد التوحيد والأمر بإقامة أركان الإسلام.

ولهذا ذكر العلماء ـ رحمهم الله ـ أن كل مقصد من مقاصد الإسلام بُني من جهتين: من جهة إيجاده والقيام به، ومن جهة حمايته، ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:

أمر بالتوحيد ونهى عن الشرك، أمر بالصدق ونهى عن الكذب، أمر بالزواج ونهى عن الزنا، أمر بالصدق والعفاف ونهى عن قطع الأرحام والفواحش، أمر بالعدل في المعاملات ونهى عن الجور والربا والعقود الفاسدة، أمر بالوفاء ونهى عن الغدر والخيانة، وغير ذلك من المبادئ العالمية؛ أي التي هي ذكر للعالمين ويحتاجها جميع الناس، ولا تصلح الأرض إلا بإقامة التشريع الإسلامي، ثم المحافظة عليه. وواضح من هذه الأمثلة: أن الطارئ على البشر هو الفساد والشرك والفواحش والربا والغدر والخيانة والطغيان السياسي والاقتصادي والإباحي، وهذا كله طارئ على نشأة البشرية، ومخالف لفطرتها؛ ولهذا شدد الإسلام على أتباعه، وأمرهم بمحاربة هذا الفساد، وأن يشهدوا عن طريق نشر العلم والدعوة، وعن طريق العمل والواقع بتجريم هذه الانحرافات، ورد البشرية عنها.

ولما ضعُف جهد المسلمين العلمي والعملي والدعوي وانحسرت قوتهم ازداد الكفار في غيهم ومخالفاتهم وانحرافاتهم، وعظُم الطغيان الرأسمالي، والربا، ونشر الفساد والإباحية والانحرافات الأخلاقية، وما زالوا يحاولون عولمتها. وهذا كله من مسائل الجاهلية التي جاء الإسلام لمحاربتها. والواجب على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها نشر العلم والاعتقاد والعمل الذي يقف في وجه هذه الانحرافات والشرور والفساد، ورفض هذه العولمة المنحرفة سواء من الناحية الفكرية أو التشريعية، وتقديم البديل الذي هو: العولمة الإسلامية العقدية لمن يقبل الإسلام ديناً، والفكرية والتشريعية لمن يخضع له نظاماً، أو يستفيد من مبادئه وتشريعاته.

ونختم هذا المقال بصورتين لهما أكبر الدلالة فيما نحن فيه:

الصورة الأولى: صورة للعولمة الفكرية أو التشريعية أو العقدية الكفرية قبل بعثة صلى الله عليه وسلم كما وردت في الحديث الصحيح: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» (1) . أي قليل من أهل الكتاب على دين صحيح لم يُبدل.

وهذه هي الصورة لحياة الجاهلية قبل بعثته عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا نقول: إن العولمة الكفرية التي يقوم بها الغرب اليوم هي عولمة مقيتة ممقوتة؛ لأنها مبنية على مسائل الجاهلية: من رأسمالية، وربا، وإباحية، وطغيان سياسي. أما الرأسمالية فإنها تضطهد الفقراء شعوباً ودولاً وأفراداً، وأما الربا فهو السبب الكبير في المشاكل الاقتصادية التي أرهقت الشعوب، وأما الإباحية فقد حوّلت المرأة إلى سلعة تُستعمل في الجنس والدعاية والفن الرخيص.

ولا يزال الغرب يبذل ما يستطيع لعولمة هذه الانحرافات، ويحارب الشريعة الإسلامية؛ لأنها تجرّم الطغيان الرأسمالي والإباحية وتنهى عن الظلم والفحشاء.

وأما الطغيان السياسي فقد نشر الظلم، وأهدر الحقوق وأصبح القوي هو الذي يتحكّم كما يشاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت