فهرس الكتاب

الصفحة 3626 من 27364

ولهذا فإن مَنْ أسمى نفسه: «النظام العالمي الجديد» يعتبر العالم قريةً واحدة يريد أن يعولم فيها أفكاره وتشريعاته الرأسمالية والإباحية والسياسية، وكل ذلك على حساب كرامة الإنسان ومقدرات الشعوب.

الصورة الثانية: المبادئ الإسلامية العالمية ويتحدث عنها رجلان، أحدهما زعيم من زعماء الجاهلية الأولى، والثاني رجل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم

أما الأول: فهو أبو سفيان بن حرب القرشي قبل أن يُسلم؛ وذلك حين سأله زعيم من زعماء الروم عن الإسلام ومبادئه العالمية؛ فقد جاء في الحديث الطويل الذي رواه عبد الله بن عباس في قصة كتاب رسول ا صلى الله عليه وسلم إلى قيصر: قال قيصر لأبي سفيان: «فماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف، والوفاء بالعهد وأداء الأمانة» (2) .

ودعوة صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام هو أول مراحل نشر العالمية الإسلامية.

وأما الثاني: فهو الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ الذي تحدث عن الإسلام في بلاد الغربة عند الملك النجاشي، وقبل أن نذكر قيام جعفر ـ رضي الله عنه ـ وأصحابه بإعلان المبادئ العالمية للإسلام عند النجاشي نحب أن نشير إلى أن أبا سفيان بن حرب في كفره لو استطاع هو وقيصر أن يعولموا مبادئهم الضالة لفعلوا، وقد حاولت قريش أن تعمم انحرافاتها وموقفها من الدعوة الإسلامية، وأن تطارد المسلمين في خارج أراضيها وحدودها، وحاولت أن تقنع النجاشي بأن ما هي عليه من الشرك والفساد في الأعراف السياسية، والاقتصادية والظلم الاجتماعي إنما هو العدل، وهو الذي يجب البقاء عليه وهو الصالح للحياة البشرية، وأنّ تعاونهم على إبقائه والدفاع عنه هو السبيل لمقاومة مبادئ الإسلام، وهنا يظهر الصراع بين الكثرة التي تريد أن تنشر المبادئ الكفرية وتُعوْلمها، وبين القلة التي ترفض عولمة الكفر والتشريعات المنحرفة، وترفض الظلم في جميع مجالاته سواء الظلم في الاعتقاد، أو الظلم السياسي، أو الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو الأخلاقي، وهي مع رفضها لهذه الشرور والانحرافات تقاوم الغربة والاضطهاد، وتعلن عولمة المبادئ الإسلامية ولو كره المشركون.

وإليك صورةً من المواقف العملية لأصحاب رسول ا صلى الله عليه وسلم وهم يقفون مُتجردين من كل قوة إلا قوة الإيمان؛ لتكون نبراساً وقدوة لنا على الطريق ونحن نواجه عولمة الانحراف في شتى مجالاته في هذا العصر، ونترك القارئ في ختام هذا الحديث يتملى هذه الصورة النيرة للمواقف المشرفة كما ذكرها ابن إسحاق في السيرة النبوية. قالت أم سلمة بنت أبي أمية: «لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جارٍ النجاشي، أَمِنَّا على ديننا، وعبدنا الله ـ تعالى ـ لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلَيْن منهم جَلْدَيْن، وأن يُهدوا للنجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدَم (1) ، فجمعوا له أدماً كثيراً، ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تُكلما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يُكلمهم. قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يُكلما النجاشي، وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضَوَى (2) إلى بَلَد الملك منا غِلْمانٌ سُفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مُبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عيناً (3) ، وأعلم بما عابوا عليهم؛ فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قدّما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك! إنه قد ضوى إلى بلدك منّا غلمان سُفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم؛ فهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي. قالت: فقالت بطارقته حوله: صَدَقا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عَيْناً، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسْلمْهم إليهما فليردّاهم إلى بلادهم وقومهم. قالت: فغضب النجاشي، ثم قال: لا ها الله! إذاً لا أسلمهم إليهما، ولا يُكاد قومٌ جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على مَنْ سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك مَنعتُهم منهما، وأحسنتُ جِوارهم ما جاوروني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت