فهرس الكتاب

الصفحة 8301 من 27364

تقرير"ميليس"بين الحياد والتسييس !

علي حسين باكير / لبنان 20/9/1426

مساء الجمعة الأخير الموافق 21/10/2005 قدم المحقق الألماني ديتلف ميليس نص تقريره إلى الأمين العام للأمم المتّحدة كوفي أنان. و لربما لم يكن الهاجس الكبير هو الإجابة عن سؤال: من قتل الحريري؟ بقدر ما كان الهاجس الأساسي لدى جميع الاطراف هو: هل سيتم تسييس التقرير أم أنّه سيبقى في إطاره القانوني و القضائي؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال يجب أن نبيّن للقرّاء أنّ التقرير كان هلامياً و رمادياً، و ليس كما ظهر في الإعلام أنّه اتّهم فلاناً أو علاّناً من الشخصيات السورية و اللبنانية, أضف إلى أنّ عمل اللجنة هو جمع الوقائع، و ليس توجيه الاتهامات, لكن من واجبات اللجنة أيضا جمع أدلة قاطعة تسمح بتوجيه اتهامات في المحكمة أثناء المرحلة الثانية, لذلك فما يرد في تقرير اللجنة هام جداً لأنه يشكّل القاعدة التي تنتطلق منها المحكمة في توجيه الاتهام إلى جهة معينة أو أشخاص معينيين, فإذا أخطأت أو تسرعت اللجنة أو استعانت بأدلة ضعيفة و رمادية ، أو بشهود مدسوسين أو غير حقيقيين فإنّ ذلك سيؤدي إلى طمس الحقيقة ، فيما تتوجه أصابع الاتهام إلى جهة أخرى غير الجهة الحقيقية. و في هذا الإطار فقد كان من الواجب عدم نشر التقرير إذا كان الجميع يسعى إلى الوصول إلى الحقيقة دون تسييس التقرير، و حفاظاً على مصداقيته، و أقله حتى تتم مراجعته من قبل مجلس الأمن و الدول المعنيّة بالتقرير بعيداً عن الإعلام و الاتهامات، و في جو مهني قضائي, و قد كان ميليس يعرف أنّ المهنية و المصلحة تقتضي عدم نشره ، وهو بذلك كان يفكر بطريقة صحيحة، و لذلك وضع عليه -و في الورقة الأساسية- جملة"سري للغاية"، و لكنّ جهة ما في الامم المتّحدة أو على علاقة معها قامت بتسريب التقرير للصحفيين، و هي لم تكتف بذلك بل أصبح هناك نسختان في آن واحد, نسخة تحتوي على أسماء جهات و أشخاص بشكل واضح ، و نسخة لا يوجد فيها أسماء!!

و بذلك تكون أول مرحلة من مراحل تسييس التقرير قد بدأت, و لكن هنا يتبادر للمحلل سؤال مهم, و هو: إذا كان ميليس -كما بدا عليه عند عقده للمؤتمر الصحفي-لا يعلم لماذا تم إعطاء التقرير للصحفيين، ولم يتم إبقاؤه سرياً على الرغم من أنه قد اتخذ الإجراءات اللازمة لجعله سرياً, فمن هي الجهة التي سرّبت التقرير الذي احتوى الأسماء، و ما هو الغرض من ذلك، و لماذا لم تنتظر مناقشات مجلس الأمن والدول المعنية؟!

الواضح حتى الآن أنّ الجهة التي قامت بتسريب التقرير قد أرادت الاستفادة من ورود أسماء مهمة فيه، و بالتالي إثارة بلبلة حول الموضوع، و نشر بعض الفضائح في وسائل الإعلام، وهو ما من شأنه أن يزيد من الضغط -بطبيعة الحال- على النظام السوري دون أن يلتفت القراء أو حتى غيرهم إلى كون المعلومات الواردة في التقرير صحيحة أو غير صحيحة, موثوقة أو غير موثوقة، مدعومة بأدلة أو غير مدعومة، و دون الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذا التقرير ليس معداً للاتهام المباشر, و فعلاً هذا ما مرّ على الجميع، و لم يهتم أحد بهذه الأمور, لقد اهتموا بأسماء الموجودين في التقرير، و أصبحت سوريا متّهمة قبل تشكيل محكمة أو حتى النظر في الأدلة و مدى صحتها، و هكذا يكون الطرف الذي قام بالتسريب قد كسب نقطة مجانية عبر تسييسه بدءاً بمحتواه، و ليس انتهاء بتسريب الأسماء في وسائل الإعلام, و قد تمّ تمرير النسخة التي وردت فيها الأسماء عبر البعثة الصحفية البريطانية في الأمم المتحدة، و هي خطة ذكية لإبعاد الشبهات من أن أمريكا هي التي سرّبت التقرير, في حين أنّ الدلائل كلها تشير إلى أنها بالفعل هي من فعل ذلك لعدد من الأسباب المحتملة التي قد يكون من بينها:

1-جر سوريا الى عقد صفقة حول المطالب الأمريكية بعد أن ذُكرت أسماء رفيعة المستوى في التقرير تتعلق بها.

2-الضغط على سوريا إعلامياً، و تهيئة المناخات المشحونة ضدها و ذلك تمهيداً لاتخاذ إجراءات عقابية عبر مجلس الامن.

3-دفع سوريا إلى التعاون بشكل أكبر، و بالتالي تسليم أوراقها جميعاً في المرحلة الثانية من التحقيق الذي سيطالها بعد ورود أسماء رفيعة من النظام السوري في التقرير.

4-التمهيد لتحويل هذا التقرير إلى اتّهام مباشر دون التحقق ممّا ورد فيه.

و تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الخطوة في تمرير التقرير و تسييسه قد أضرّت كثيراً بمصداقية التقرير و بكفاءة القيميين عليه، فضلاً عن أنّ ميليس قد بدا و كأنه قد تم استغفاله او استغباؤه عندما راح الصحفيون يحققون معه في المؤتمر الذي عقده تعليقاً على هذا الأمر إلى أن وصل الأمر به أن يقول"أنتم أحرار فيما إذا أردتم تصديقي أو لا"و قد بدا عليه الارتباك و الخلط في الكلام دون معنى.

الحقيقة في جميع الأحوال مهمة، و لكن الكذب في عصرنا قد يبدو أحيانا حقيقياً أكثر من الواقع, و خير دليل على كلامنا ما حصل للعراق, فقد شنّت ضده حملات إعلامية و دعائية أدّت إلى غسل عقول الناس إلى درجة أنّه لم يصدق أحد أنّ العراق لا يملك أسلحة دمار شامل حتى بعد احتلاله وتدميره!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت